دراسة

دراسة

الرياح الاقليمية تهدد باقتلاع أشرعة المالكي

 

 

المحرر السياسي الكفاح العربي

 

ثمة همس عالٍ في الاروقة الدبلوماسية العربية والاميركية، فضلاً عن الايرانية، مفاده ان عراق ما بعد الانتخابات لن يشبه ما قبله على مستوى التركيبة السياسية الحاكمة. المشهد السياسي مرشح للتبدل، بشكل انقلابي من فوق، وتحالفات ما بعد المعركة لن تكون على الارجح في مصلحة نوري المالكي. ماذا في الهمس وماذا في التصريحات؟

 

في الاروقة كلام كثير عن اتفاق لا يزال مكتوماً بين القائمة العراقية التي يتزعمها اياد علاوي والائتلاف الوطني العراقي والتحالف الكردستاني على تشكيل جبهة سياسية ضد قائمة ائتلاف دولة القانون التي يرأسها المالكي، تتبنى ترشيح اياد علاوي لرئاسة الحكومة المقبلة. وليس سراً ان خلافات كثيرة برزت في الفترة الاخيرة (خصوصاً خلال العامين الاخيرين) بين المالكي والائتلاف الذي أوصله الى رئاسة الحكومة، ادت الى انشقاق في صفوف الائتلاف انشطر الى ائتلافين هما ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي، والائتلاف الوطني العراقي بزعامة عمار الحكيم.

 

ويتردد ان المجلس الاسلامي الاعلى يسعى حالياً الى اقناع الكتل السياسية البارزة بدعم هذا التوجه، على خلفية تفاهم بين القوى المؤثرة في المنطقة حول ضرورة الفسح في المجال لتداول السلطة لإخراج العراق من مرحلة التشنج التي دخلها مع جيرانه كما مع واشنطن في المرحلة الاخيرة. ومعروف ان علاقات المالكي بالادارة الاميركية لم تكن سمناً وعسلاً في الاسابيع الاخيرة، في اعقاب قرارات الاجتثاث التي استهدفت عشرات المرشحين الذين تعوّل عليهم واشنطن لادخال العملية السياسية في مرحلة جديدة، تمهيداً للمصالحة الوطنية. كما ان الاتهامات التي ساقها المالكي ضد سوريا، بعد الانتخابات التي شهدتها بغداد، تركت تصدعات كبيرة في العلاقات السورية - العراقية.

 

ويمكن الاستدلال الى الرهان الجديد من خلال حركة اياد علاوي الخارجية، قبل ايام من فتح الصناديق. بعد الرياض والقاهرة زار رئيس الحكومة العراقية الاسبق دمشق (التي سبق ان قصدها في كانون الاول - ديسمبر الفائت)، من اجل التحضير لمرحلة ما بعد الانتخابات، وقد سبقه الى هذه الزيارة طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية العراقية الذي لعب دوراً محورياً في مرحلة التحضير للانتخابات، الى جانب الرئيس العراقي جلال طالباني ورئيس مجلس النواب اياد السامرائي. ويتردد ان هناك تقاطعاً سورياً - سعودياً  ايرانياً على عودة علاوي الى رئاسة الحكومة، في مرحلة التحضير للانسحابات الاميركية، لان هذه العودة كفيلة بالتخفيف من التوترات التي تسود الساحة السياسية بعد سبع سنين على التغيير.

 

والذين يراهنون على علاوي (قائمة العراقية 333) يقولون ان حكومة المالكي تمارس نوعاً من الاستكبار الفارغ تجاه جوارها العربي، هو نوع من المعاندة اللامسؤولة (على الطريقة الصدامية)، وان العراق يحتاج الى تجاوز آلام الماضي والتأسيس لمرحلة جديدة من التعاون والشراكة على المستوى الداخلي كما الاقليمي، ولا بد له بالتالي من ان ينسج علاقات ثقة متبادلة بين اهله، كما مع السعودية وسوريا وتركيا وقطر والكويت، من دون اي استفزاز للولايات المتحدة في هذه المرحلة المفصلية، وهي مهمة يمكن ان يتجند لها اياد علاوي بكل جدارة. ورغم ان الفترة التي تولى خلالها الحكم في العام 2004 كانت بالغة الصعوبة وقصيرة في الوقت نفسه، فقد استطاع تدارك الانزلاق الى مخاطر اللعبة الطائفية وإعادة العراق الى محيطه الاقليمي وممارسة التوازنات المطلوبة على الصعيد الداخلي بعيداً عن روح المكابرة والمغامرة.

 

ومعروف عن علاوي انه ترأس الى جانب الحكومة، لجنة الشؤون الامنية في مجلس الحكم الانتقالي وعارض في حينه بشدة عملية تفكيك حزب البعث واجتثاث البعثيين وحل الجيش والاجهزة الامنية العراقية، وكان يؤكد في تصريحاته نحن ضد هذا القانون ونعمل على إعادة البعثيين الى وظائفهم، اما المسيئون فيجب معاقبتهم. معروف ايضاً انه استقال احتجاجاً على الممارسات الاميركية في الفلوجة رغم انه وصف مقاومي الفلوجة بـالارهابيين قبل ان يتدهور الوضع بصورة دراماتيكية.

 

المالكي طائفي

 

وأهم المآخذ التي يسجلها علاوي على المالكي انه سياسي تجميلي لا يريد المصالحة السياسية ولا يعمل لها، لانه متمسك بنزعته الطائفية. وقد كتب بعد تنحيه عن السلطة مقالا في واشنطن بوست قال فيه: من كان يتصور أن العراق سيكون في أزمة عميقة كهذه بعد أربع سنوات على سقوط صدام حسين؟ في كل شهر يقتل ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف عراقي على يد الإرهابيين وفرق الموت الطائفية. ولا تتوافر الكهرباء والماء في أحسن الأحوال أكثر من ست ساعات في اليوم. وبغداد التي كانت ذات يوم دليلا على التنوع الثقافي والاثني والديني أصبحت الآن مقسمة إلى مناطق طائفية مسلحة، تشبه كثيرا بيروت خلال الثمانينيات من القرن الماضي. يمكن القول إن وقف العنف وتحقيق الاستقرار والأمن والديمقراطية هي أمور يعتمد تنفيذها على العراقيين، أنا أعمل مع زملائي في البرلمان من أجل بناء ائتلاف أغلبية غير طائفي يدعم الخطة التالية، التي تتكون من ست نقاط، من اجل عهد جديد في العراق وتغيير الحكومة العراقية الحالية بوسائل ديمقراطية.

 

- يجب أن يكون العراق شريكا كاملا للولايات المتحدة في تطوير الخطة الأمنية التي ستؤول إلى سحب الجزء الأكبر من القوات الأميركية خلال السنتين المقبلتين، وقبل ذلك يبدأ تقليص الدور القتالي للوحدات الأميركية في العراق. الولايات المتحدة طرف لا يمكن الاستغناء عنه لتحقيق السلام والأمن في العراق وفي الشرق الأوسط بشكل عام. لكن دورنا حاليا هو الأكثر أهمية في حل مشاكلنا. وهذا لن يتحقق طالما بقيت الحكومة الحالية في السلطة.

 

- أنا اقترح إعلان حالة الطوارئ لبغداد وكل المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة. هناك حاجة لإعادة هيكلة قوات الأمن العراقية، وكلما كان ممكنا يجب على هذه القوات المعاد هيكلتها أن تمتص الأفراد المنتمين إلى الميليشيات الطائفية والاثنية وتحويلها إلى بنية أمنية غير طائفية. فتقوية عضلات الميليشيات ليس حلا مناسبا، لأنه يطيل أمد التوترات ما بين الكيانات الاجتماعية المختلفة ويزعزع قوة سلطة الدولة. فالدولة لا تمتلك أي شرعية إن هي فشلت في توفير الأمن لأبنائها.

 

- نحن في حاجة إلى استراتيجية دبلوماسية تستفيد بشكل متزايد من الأمم المتحدة والعالم العربي في تحقيق الأمن وإعادة الإعمار للعراقيين، على واشنطن ألا تتحمل وحدها العبء الدبلوماسي، مثلما هي الحال الآن، فرئيس الوزراء المالكي بدد صدقية العراق في السياسة العربية، وهو لن يتمكن من إعادتها، إضافة إلى ذلك، فإن العراق في حاجة إلى دور أكثر حزما كي يطلب من إيران إنهاء تدخلها في الشؤون العراقية وإقناع سوريا كي تلعب دورا أكثر إيجابية في العراق.

 

- يجب أن يكون العراق دولة واحدة مستقلة وفدرالية. لذلك علينا أن نقوي المؤسسات المحلية والإقليمية على حساب السياسات الطائفية وعلى حساب حكومة شمولية ومستبدة في بغداد. يجب أن يكون الدين قوة توحيد لا تفريق في بلدي. وعلى العراقيين سنة وشيعة أن يفتخروا بهويتهم الإسلامية. لكن حينما تهيمن السياسة الطائفية الدينية يظهر الإرهابيون والمتطرفون باعتبارهم الطرف الرابح الوحيد.

 

- تتطلب المصالحة الوطنية التزاما ملحّا بالاعتدال وإنهاء العنف الطائفي عن طريق دمج كل العراقيين في العملية السياسية. علينا أن نعترف بمساهمة الأكراد ومساهمة الحكومة الإقليمية الكردية في مستقبل العراق الديمقراطي. فالمصالحة تتطلب اشتراكا فعالا للزعماء الدينيين والسياسيين البارزين من شيعة وسنة والمالكي عرقل التصديق على تشريع تم اقتراحه لقلب مسار قانون اجتثاث البعث. هذا المقترح كان يجب أن تتم المصادقة عليه فوريا.

 

-         أصيب الاقتصاد العراقي بالعطب بسبب الفساد وغياب الأمن المناسب. يجب أن نشدد على إعادة بناء كل البنى التحتية الأساسية. إذ لن تكون هناك أي تنمية اقتصادية مناسبة من دون توافر كهرباء وماء صالح للشرب، ومع مرور الوقت يحتاج العراق إلى بناء اقتصاد يستند إلى مبدأ السوق الحرة مع دور أساسي للقطاع الخاص.

 

طال انتظار تحقق تغيير على مستوى القمة في الحكومة العراقية، ومن دون ذلك، لن تنجح أي استراتيجية عسكرية أميركية أو أي انسحاب أميركي منظم، وسيترك العراق والمنطقة للغرق في اتون الفوضى.

وخلفية علاوي السياسية والعائلية جعلته يجمع بين أفكار قد تبدو متناقضة: العروبة والانتماء العراقي، الاشتراكية والليبرالية، يرفض امتدادات الماضي الصدامي لكن يسعى الى اجتذاب البعثيين، يتعاون مع الاحتلال الأميركي وفي الوقت ذاته يشدد على انتماء العراق الى محيطه العربي، يحارب النفوذ الإيراني لكنه يحتفظ بعلاقة جيدة مع المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني الإيراني الجنسية.

 

ولم يتمتع إياد علاوي، مثل غيره من المعارضين العراقيين الذين يوصفون بالعلمانيين، بقوة حقيقية على أرض العراق قبل سقوط النظام، ولم يشكلوا أي تهديد أو أي تحدٍ حقيقي لنظام الرئيس العراقي صدام حسين، حتى ولو على المستوى السياسي، مثل الأحزاب الشيعية ذات التوجه الإسلامي (كالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة) لكنهم اكتسبوا أهميتهم من العلاقات مع أجهزة استخبارات الدول الغربية، التي باتت تضع إسقاط نظام صدام حسين على أجندتها، عقب اجتياح الجيش العراقي للكويت في آب (أغسطس) 1990.

 

وبعد قدوم الإدارة الأميركية الجمهورية بزعامة جورج بوش إلى البيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) 2001، ثم وقوع هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) في نيويورك وواشنطن، أصبح علاوي وأحمد الجلبي في دائرة الضوء، حيث وفر الرجلان مبررات الحرب التي كانت تريدها هذه الإدارة، وفي تعليقها على اختيار علاوي لرئاسة الحكومة العراقية، أشارت صحيفة الاندبندنت البريطانية إلى أنه هو صاحب الكذبة الكبرى حول قدرة الجيش العراقي على استخدام أسلحة الدمار الشامل خلال 45 دقيقة من صدور الأوامر بذلك، وهي الكذبة التي اعتمدت عليها الحكومة البريطانية للحصول على تفويض من البرلمان للمشاركة في الحرب، بحجة أن النظام العراقي يشكل خطراً وشيكاً على بريطانيا، وهو ما اتضح إنه كان من نسج خيال علاوي.

 

وإذا كان الجلبي هو رجل المحافظين الجدد، فإن علاوي متهم من قبل خصومه بأنه رجل الحكومة والمخابرات البريطانية. وقد تميز علاوي عن الجلبي بشبكة علاقات لا بأس بها مع أعضاء منشقين عن البعث العراقي، وخصوصاً من ذوي الخلفيات العسكرية، ولذلك فإن حركة الوفاق الوطني التي أسسها علاوي اشتهرت بسعيها لاستمالة المنشقين من البعثيين السابقين، سواء في الجيش أو في الأجهزة الأمنية، وأيدت الحركة منذ ظهورها في العام 1991، بدعم من أجهزة المخابرات الأميركية والبريطانية، فكرة تدبير انقلاب من داخل الجيش لإطاحة حكم صدام حسين، لكن معظم المحاولات التي قامت بها الحركة انتهت بنتائج كارثية.

 

وضمت هذه الحركة مجموعة من رفاقه السابقين في حزب البعث، مثل صلاح الشيخلي وتحسين معلا وسليم الإمام ونوري البدران، وجميعهم من الشيعة، وقد نجح علاوي في تسويق تلك الحركة لتصبح أحد الأطراف الخمسة الرئيسة التي شاركت في اجتماعات المعارضة العراقية، التي نظمتها الخارجية الأميركية في لندن، وفي صلاح الدين في كردستان العراق. وخلال فترة عمله في مجلس الحكم الانتقالي، ترأس اللجنة الأمنية والتي من مسؤولياتها تشكيل جيش عراقي جديد، وبناء أجهزة أمن واستخبارات، وهو دليل على ثقة اميركية وغربية استثنائية فيه، إلا أنه تمت إطاحته من رئاسة اللجنة الأمنية، وتم إنشاء منصب جديد يسمى مستشار الأمن القومي وتولى مهامه موفق الربيعي. ويشير المقربون من علاوي إلى أنه يتميز بالغموض وعدم اتخاذ مواقف واضحة، كما أنه يعشق السرية، ولا يعلم حتى أقرب المقربين منه حقيقية نياته أو مكنون مشاعره، وقد دفع هذا الغموض والرغبة الشديدة في الإمساك بالخيوط كافة في يده، عدداً من أعضاء المكتب السياسي لحركة الوفاق الوطني إلى الاستقالة، متهمين علاوي  بـالفردية واحتكار القرار بذريعة سرية العمل.

 

علماني عروبي

 

يعتبره كثير من رجال الدين علمانياً أكثر مما ينبغي، وفي الوقت ذاته فإن لعلاوي علاقات جيدة مع دول الخليج والأردن التي ترى فيه شيعياً علمانياً وبراغماتياًَ يؤمن بعروبة معتدلة للعراق، ولا يحبذ الارتماء في أحضان إيران. ويمكن القول إن هذه العلاقة هي أحد أسباب غضب الحكومات العراقية، التي قادها الائتلاف العراقي الموحد، على كثير من الدول العربية بالإضافة إلى الأسباب الطائفية المعروفة. وقد نجح علاوي بذكاء في أن يتجنب تكرار صورة أحمد الجلبي، أهم مروّجي الغزو الأمريكي للعراق، حيث ينظر للجلبي كرجل يجمع بين العمالة للأميركيين والطائفية الشديدة مع التحريض المستفز على عروبة العراق، مما جعله مسخاً لدى العرب ومعظم العراقيين حتى الذين يكرهون نظام صدام حسين، بل إنه حتى فقد ثقة الولايات المتحدة بعد أن  ثبت أن لديه علاقات مريبة مع إيران.

 

أما علاوي، فرغم علاقاته مع اميركا وبريطانيا وتعاونه معهما في محاولات الانقلاب ضد صدام حسين، وتحريضه على الغزو الأميركي للعراق، ودوره في دعم الاحتلال، فإنه قدم نفسه كسياسي براغماتي تعامل مع الغرب بحثاً عن مصلحة الوطن، يتعالى على الطائفية، كما كان لمواقفه في رفض اجتثاث البعث، ومحاولة اجتذاب أعضائه صدى إيجابي لدى السُّنة والمعتدلين الشيعة. لكن العراقيين سُنة وشيعة ترحّموا على أيامه بعد تولي إبراهيم الجعفري، المناضل الإسلامي السابق الحكم، وبعدما رأوا الطائفية والتحزب والفساد تصل لذروتها في عهد الحكومات الطائفية، وتهدد بتدمير المجتمع العراقي وإطاحة وحدة البلاد، فندم كثيرون على عدم اختيار علاوي، بعدما اكتشفوا أن العلماني، حتى لو كان عميلاً للغرب كما يزعم أعداؤه، خير من الإسلامي الذي لا يخفي ولاءه لإيران.

 

وأكبر مأزق واجهه علاوي، بعد تنحّيه كان النجاح الجزئي لحكومة نوري المالكي في فرض الأمن، وتبنّيها خطابا وطنيا بدلاً من الخطاب الطائفي، وحديثها الخجول عن المصالحة الوطنية، وهي العناصر التي تميز خطاب علاوي عن غيره من الزعامات الشيعية، ولذلك ألمح علاوي إلى أن هذا خطاب استُلب منه، وأن الطائفيين انتهوا إلى رفع شعاراته الوطنية بعد أن فشلت سياستهم ونفرت منها الجماهير.

 

في اي حال يظل الرجل رهان الكثيرين من العلمانيين الليبراليين خصوصاً داخل الطائفة الشيعية، في عراق ما بعد المالكي... لكن شحذ العصبيات الطائفية عشية المعركة يمكن ان يلعب لمصلحة رئيس الحكومة الحالي. والظن الراجح ان ائتلافات ما بعد الانتخابات هي التي تحسم في النهاية عملية تداول السلطة.

 

 

 

09.03.2010