النصر العظيم
المبالغ فيه
في ظل
فقدان السيادة والأمان
والخدمات
تحتفل الحكومة العراقية اليوم بما اسماه نوري
المالكي 'النصر العظيم' الذي يعلم اول مرحلة من خروج
القوات الامريكية من العراق
حسب الاتفاقية الامنية' التي تحرم القوات الامنية من الدوريات الراجلة
وعلى المركبات داخل المدن العراقية بدءا من اليوم.
وفي اجواء النصر
المبالغ فيها والاحتفاء الذي تحاول الحكومة العراقية اظهاره هناك نوع من الترقب بين السكان الذين لا يرون في
الاحتفالات اي معنى فحسب مواطن عراقي نقلت عنه صحيفة
'واشنطن بوست' فانه لن يحتفل الا عندما يرى السلام يعم البلاد.
واضاف قائلا سأحتفل عندما يتم تأمين الماء والكهرباء
وعندما يتمكن السكان من الذهاب والتنزه في الحدائق بدون خوف، 'سأحتفل عندما يخرج
الاطفال للشوارع بألبسة جديدة ونظيفة، وسأحتفل عندما
يحصل الناس على عمل شريف. ويبدو ان خروج الامريكيين من المدن ليس الا اجراء رمزيا لأن الجيش ومنذ شهور يقوم بالتقليل من دورياته داخل المدن ويفكك وينسحب من المواقع العسكرية حيث قام
بتفكيك اكثر من 150 قاعدة ومركز عسكري داخل
المدن.
وتقول الصحيفة ان
القوات الامريكية بدأت تتجنب
الخروج غير الضروري والبقاء داخل القواعد العسكرية، وهذا اجراء مؤقت لاعطاء الصورة ان القوات العراقية هي في مركز
القيادة لكن بعد ذلك ستواصل القوات الامريكية عملياتها خارج المدن الى
جانب القوات العراقية التي يرى بعض قادتها ان يوم الانسحاب هو يوم عرس وطني، وهو يوم انتصار وعطلة رسمية.
لكن المراقبين يرون ان هذه المشاعر ليست عامة، فهناك خوف
من عودة العنف والقتل الطائفي في ضوء العمليات الانتحارية التي نفذت في الاسبوع الماضي وادت لمقتل 200 شخص.
ويقول طالب جامعي ان لا داعي للفرح وان الامور ستنقلب رأسا على عقب بعد اسبوع من الانسحاب، مشيرا الى ان كل الميليشيات مختبئة بانتظار خروج الامريكيين.
وتعامل الكثير من سكان الاحياء في المدن العراقية مع وجود الامريكيين اليومي في شوارعهم كشر لا بد منه لأن ما يراه
الكثيرون فقدانا للكرامة الوطنية ثمن قليل مقابل حصولهم على الامن.
ولكن قادة في الجيش يقولون ان الجيش قادر على التعامل مع الوضع بدون الامريكيين على الاقل بنسبة 80
بالمئة، لكنه اضاف ان وحدته لا اجهزة اتصال لديها، ففي
حالة تعرضها لهجوم في الليل فلا احد سيعرف عنها، ويظل خروج القوات الامريكية من المدن رمزيا
لأن عدد القوات الامريكية
التي ستظل داخل البلاد لن يقل وسيحافظ على معدله الحالي 130 الف ولن يبدأ بتخفيض العدد الا بعد
الانتخابات العامة في بداية العام القادم.
ولهذا يعتقد الكثيرون ان فكرة التعامل مع الوضع الحالي كانتصار ما هي الا دعاية من المالكي، فيما يرى آخرون ان رئيس الوزراء العراقي بدأ حملته
الانتخابية.
وتساءل احدهم قائلا 'كيف يخرج الامريكيون من العراق بعد كل التضحيات التي قدموها، وكهدية
لايران وسورية؟. ومن هنا عبر عدد من القادة العسكريين
الامريكيين عن حنقهم من الطريقة التي تتعامل فيها
الحكومة العراقية مع المناسبة، خاصة ان حكومة المالكي
تصور العملية وكأنها عودة الاستقلال والسيادة.
ويرى العسكريون ان
الاهتمام بالاحتفالات جاء على حساب التدريب الحساس للقوات العراقية والعمليات القتالية التي كلفت الامريكيين آلاف الضحايا من الجنود. وما اغضب الامريكيين هي اللهجة الانتصارية
التي استخدمها المالكي الذي صور الخروج على انه نتاج لعزم العراقيين على رد الغزاة،
وان العراق يقف على حافة فصل جديد لتعزيز السيادة الوطنية كما جاء في مقابلة
المالكي مع 'لوموند' الفرنسية. وتعني اللهجة الجديدة
ان القوات العراقية ستسلم
بالكامل ملف الامن بدون اسناد
من الامريكيين الذين سيبقون داخل معسكراتهم لحين اتمام الخروج حسب الاتفاقية في عام 2011.
وكان القائد العام للقوات الامريكية في العراق الجنرال
ريموند اوديرنو قد اعلن ان الانسحاب سيشمل ايضا مدنا لا تزال المقاومة والقاعدة ناشطتين فيهما مثل نينوى وديالى. وقال الجنرال ان عدد
القواعد الامريكية في العراق انخفض من 460 الى 320 قاعدة. ولاحظت صحيفة 'الغارديان' الاعلام التي زينت فيها
بغداد، واشارت الى ان 'تحرير' العراق من الامريكيين
تزامن مع ذكرى ثورة العشرين بداية القرن الماضي ضد البريطانيين. واكد اوديرنو في تصريحات له قبل
انهاء الانسحاب ان القوات الامنية العراقية جاهزة كي
تقوم بالمهام بدون الاعتماد على الامريكيين.
وقال في تصريحات لعدد من شبكات التلفزة الامريكية انه في حالة طلب
العراقيين اي دعم بعد حزيران (يونيو) فانه سيتم بناء على
بنود الاتفاقية الامنية. وقرأ تصريحات المالكي الانتصارية بطريقة مختلفة حيث قال ان العراقيين يفهمون خروج الامريكيين على انه تقدم من ناحيتهم وهذه نقطة مهمة. ويرى
مراقبون ان عمليات التفجير الاخيرة كانت محاولة لنزع الثقة عن المالكي واقواله انه قادر على حماية البلاد. وبالنسبة للامريكيين فان الجنود لن يغادروا
العراق دفعة واحدة فهناك اعادة تعريف لدورهم من قوات قتالية الى مدربين.
وترى ' نيويورك تايمز' انه وان اظهر الامريكيون
حساسية تجاه تصريحات المالكي السياسية الا ان محللين يرون ان مبالغته في
الاحتفال تركت له مساحة ضيقة للتراجع حالة تراجع الامن
وعودة العنف. وقالت صحيفة 'واشنطن بوست' في تقرير لها
الاسبوع الماضي ان المالكي
الذي يحاول التحضير لانتخابات العام الماضي قد بدأها ولكن بأسلوب استعاره من الرئيس
العراقي الراحل صدام حسين. ويقوم رجال تحت امرته في مدن
كديالى والبصرة بتهديد واعتقال العديد من المنافسين له.
ونقل عن البعض قولهم ان رسالة المالكي واضحة لمنافيسه اما 'التعاون او مواجهة الاثار'. وتقول انه وان
انتهت الحرب الطائفية الا ان
المالكي بدأ يعتمد على وسيلة اخرى لتأكيد موقعه وهي
العنف وهدفه الواضح هو الفوز بالانتخابات وعودته كرئيس للوزراء مرة اخرى. وبالنسبة لمؤيديه فالمالكي يظل
رجلا قويا في بلد بدون قانون ويستمد قوته من الدستور. لكن معارضيه يرون فيه
ديكتاتورا تخلص من صورة الرجل الضعيف بعد نجاحه في البصرة ومدينة الصدر والانتخابات
المحلية حيث راكم السلطة بيده معتمدا على دائرة من
المستشارين التي يصعب الوصول اليها.
القدس
العربي