مستعمرات أمريكية أبدية المدن العسكرية بدلاً من القواعد في العراق

 

كتاب مقتدي الصدر وسقوط العراق مرجع هام عن شيعة العراق والصدريين في العقدين الاخيرين

باتريك كوبيرن: تهديدات امريكا بضرب ايران ادت الي تعاون طهران مع مقتدي الصدر، وتفجير مسجد سامراء عام 2006 وجه ضربة قاضية للتعاون الشيعي ـ السني ضد الاحتلال

 

 

لندن ـ القدس العربي ـ من سمير ناصيف:اوضح الكاتب والصحافي البريطاني باتريك كوكبرن (تلفظ كوبيرن) في كتاب بعنوان مقتدي الصدر وسقوط العراق الذي صدر لتوه عن دار فابر وفابر في لندن بان استمرار تهديد واشنطن بضرب ايران عسكريا بسبب برنامجها للتخصيب النووي دفع طهران الي تعزيز تعاونها مع القائد العراقي لـ جيش المهدي السيد مقتدي الصدر، الذي ظل حتي عام 2005 علي مسافة أبعد من القيادة الايرانية من سائر القيادات الشيعية العراقية ومستعدا للتعاون مع الجهات السنية في المقاومة العراقية ضد الاحتلال. واكد كوبيرن بأن جهود امريكا لانتاج عراق معاد لايران (المستمرة حاليا عبر دفع حكومة نوري المالكي الي المواجهة مع الصدريين) ادت الي عكس ما سعت اليه واشنطن واصبح العراق الي درجة اكبر تحت النفوذ الايراني.

 

واعتبر المؤلف، الذي يعرف العراق معرفة وثيقة، خلال النظامين السابق والحالي، والذي يزور البلد بشكل مستمر ويعرف معظم قياداته، وقد قابل بعضهم للكتاب ولصحيفة الاندبندنت البريطانية العريقة التي يكتب فيها، ان الدول العربية السنية دُفعت للاعتقاد بان محورا شيعيا تبنيه ايران في المنطقة ويشمل طهران والعراق ولبنان والدول العربية الاخري التي تتواجد فيها اكثرية او اقلية شيعية وانه سيهدد مصالح هذه الدول السنية. واعتبر كوبيرن بان هذا التوجه هو نتيجة لجهل للحقائق او تجاهل لها واحساس بالبارانويا (جنون الارتياب) من جانب القيادات العربية، اذ ان ايران ادركت وتدرك بان تحول العراق الي دولة تابعة لها كليا سيدخلها في نفس مغطس الوحل الذي تغطس فيه امريكا حاليا.

 

واكد كوبيرن بأن محمد باقر الصدر ومحمد صادق الصدر (والد مقتدي) كانا يشعران بان ايران خيبت آمالهما قبل مقتلهما علي يد النظام العراقي السابق، وان السيد مقتدي اعتبر (وما زال يعتبر) بعض قيادات المجلس الاعلي الاسلامي والحكومة العراقية الحالية عملاء لايران، ولكنه بعد عام 2005 اضطر الي التعاون مع ايران لتزويد جيش المهدي بالاسلحة والتدريب للدفاع عن نفسه وعن مؤيديه. ورأي كوبيرن بأن امريكا بدلا من ان تستفيد من سجل الصدريين وقياداتهم في معارضتهم للنظام العراقي السابق من علي ارض العراق (وليس كغيرهم من المعارضين اللاجئين في الخارج) فان القيادة الامريكية ارتكبت اكبر اخطائها في العراق عندما حاولت تهميشهم وما زالت تحاول عزل مقتدي والقضاء علي حركته. واشار الي انه لو كان مقتدي جزءا اساسيا من العملية السياسية في العراق منذ البداية فان فرص نجاح المشروع الامريكي في العراق كانت ستصبح افضل. كما انه اعتبر بان الحركة الصدرية كانت السبيل الافضل لخلق جسور بين السنة والشيعة في العراق، الي ان فجرت جهة ثالثة مسجد سامراء وساهمت في تأجيج الصراع السني ـ الشيعي في البلد، وذلك في شباط (فبراير) 2006.

 

وطرح كوبيرن علي مقتدي طرحا قد يؤمّن الي حد ما عودة اللحمة بين العراقيين السنة والشيعة، والعرض هو ان يحمي جيش المهدي عودة العراقيين السنة الي المناطق التي كانوا يسكنونها في بغداد والبلدات والاحياء الاخري التي اضطروا الي مغادرتها عبر التهجير القسري والخوف. ولكن هذا الطرح يبقي كما يدرك الجميع خاضعا للمشيئة العليا للذين يديرون شؤون العراق. ويذكر كوبيرن بان القيادات المعارضة السنية، التي انقلبت في الاشهر الاخيرة، واصبحت تعمل مع الامريكيين والنظام العراقي، ربما لا ترغب بالتعامل مع الصدريين، بل تسعي للانتقام منهم وافشال سيطرتهم التي تحققت علي بغداد في عام 2006. والقي كوبيرن باللوم الي درجة كبيرة علي حاكم العراق الامريكي السابق بول بريمر في فشل التعامل مع مقتدي الصدر، اذ ضغط بريمر علي رؤساء حكومة العراق لابعادهم عن مقتدي وعدم ادخاله الي النظام، واستمرت هذه السياسة بعد بريمر، حسب قوله.

 

وشمل الكتاب تفاصيل دقيقة عن مواضيع يُكتب عنها للمرة الاولي من جانب شخص راقبها عن كثب، وبينها عملية اغتيال السيد عبد المجيد الخوئي لدي عودته الي العراق في 28 آذار (مارس) 2003. ويقول كوبيرن في هذا المجال بان القيادة الامريكية كانت ترغب بعودة السيد عبد المجيد الخوئي الي العراق (الذي كانت تربطه علاقة جيدة بالجهات السياسية والامنية الامريكية). وقرر الخوئي السفر برفقة وفد (يذكر اسماء اعضاء الوفد وبينهم مسؤول عراقي سابق، وصحافي عربي في لندن، وحازم الشعلان الذي اصبح في ما بعد وزيرا للدفاع في العراق). ولدي وصول الوفد الي النجف طُرح علي الخوئي امكان زيارته لمقتدي الصدر الذي كان في تلك الفترة مقيما في النجف، ولديه النفوذ القوي في المدينة، فرفض السيد عبد المجيد الفكرة بسبب وجود ثأر قديم بين عائلته والصدريين، علما ان والد مقتدي، السيد محمد صادق الصدر، كان قد هاجم السيد عبد المجيد علنا في عام 1998 وهاجم امكان انتمائه للمرجعية الشيعية العليا وسيطرته علي اموال مؤسسة الخوئي. ويصف كوبيرن خطوات لاحقة اخطأ فيها الخوئي وبينها تعاونه مع حيدر الكليدار، وهو من عائلة تحمل من خلال الاجيال السابقة مفتاح ضريح الامام علي، وهو متهم بالتعامل مع النظام السابق. ويتطرق كوبيرن الي تفاصيل كيف حوصر ضريح الامام علي وبداخله الخوئي واعوانه وكيف بدأ اطلاق الرصاص، ولكن الاهم في الرواية هو انه بعد طعن الخوئي بالخناجر ظل علي قيد الحياة، حسبما ورد في الكتاب، ولكن مجموعة من اتباع مقتدي الصدر اطلقت النار عليه وقتلته بعدما رفض السيد مقتدي نقله الي بيته.

 

ولكن كوبيرن اكد بان الاقاويل حول عملية الاغتيال هذه متعددة ومتناقضة كما في عملية اغتيال الرئيس الامريكي جون كينيدي، وانه علي الارجح (كما قال في محاضرة عن كتابه اخيرا) بأن الصدريين قتلوا السيد عبد المجيد الخوئي ليس بالتأكيد عبر امر من مقتدي. بيد ان كوبيرن، وهو كان صديقا للخوئي، قال في مكان آخر من الكتاب بانه اذا لم يعرف مقتدي بان مجيد الخوئي يتعرض للاغتيال (في النجف علي مقربة من مكان سكنه) فانه ربما اختار عدم معرفة هذا الامر . (ص157).

 

ومن الجدير الذكر بأن كوبيرن فرّق في كتابه ما بين حركة مقتدي الصدر وجيش المهدي، من جهة، وحزب اله اللبناني، من جهة اخري، حيث قال بان مقتدي عبر عن تطلعات الملايين من الشيعة الفقراء العراقيين افضل من اي زعيم شيعي آخر في العراق في هذه المرحلة، ولكنه لم يسيطر كليا علي حركته، ولم ينشئ قوة عسكرية منظمة ومنضبطة كحزب الله اللبناني، وظلت حركته مرتبطة (في عقول خصومه علي الاخص) بعصابات القتل والتطهير العرقي الطائفي . (ص 253). وعندما سئل في محاضرة عن كتابه حول علاقة الحركتين بايران قال: الحركتان تتعاملان مع ايران، ولكنهما تملكان استقلاليتهما . ويشمل كتاب كوبيرن فصولا اخري مليئة بالمعلومات القيمة عن الشيعة في العراق. وقد كرس الكاتب الفصول الاولي لعلاقة الصدريين بنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وكيف حاول صدام التعاون معهم وخصوصا مع محمد صادق الصدر (والد مقتدي) الذي ظن الرئيس العراقي السابق انه بالامكان استخدام علاقته معه لتحسين علاقة النظام البعثي بشيعة العراق.

 

ولكن هذه المصالح المتبادلة، حسب قول كوبيرن، ساءت عندما اصر محمد الصدر علي اتخاذ مواقف مستقلة في خطبه في صلوات الجمعة. كما اوضح الكاتب بان مقتدي نفسه كان دوره محدودا بين ابناء محمد صادق، وان ولديه الاكبرين اللذين تعرضا للاغتيال معه كانا اكثر اطلاعا علي شؤون والدهما. بيد ان مقتدي، حسب قول كوبيرن، لعب اللعبة السياسية في فترة صدام بذكاء كما يفعل حاليا في علاقاته مع خصومه الامريكيين والعراقيين، اذ يدرك متي تتطلب المواجهة ومتي من الافضل الانسحاب او الاعتكاف المؤقت، كما يعرف محدوديات المواجهة العسكرية مع الاحتلال، وصعوبة المشاركة في العملية السياسية، ولذلك فقد اصبح اللاعب السياسي الاساسي في الساحة السياسية الشيعية العراقية حسب رأي المؤلف، مع ان السلطة ليست بيديه، بل بيد رئيس الوزراء نوري المالكي الذي ساهم مقتدي في وصوله الي السلطة، وهو (اي المالكي) يشن حاليا حملة عسكرية ضده لأن هذه هي مشيئة سلطات الاحتلال، حسب قول كوبيرن. ويتضمن الفصل الثاني عشر من الكتاب تفاصيل دقيقة عن حصار النجف والفصل الثالث عشر عن فك هذا الحصار. واهمية الفصلين انهما يشيران الي دور المرجعية الشيعية العليا، والفوارق بين خياراتها وخيارات مقتدي.

 

ولعل اهم ما ورد في كتاب كوبيرن ما قاله في محاضرة القاها عن كتابه في جامعة لندن اخيرا، حيث اشار الي التعاون المعنوي بين المقاومتين السنية والشيعية في العراق خلال الحصار الامريكي الدموي للفلوجة، وخوف سلطة الاحتلال من تحول هذا التعاون الي جبهة قوية ضد الاحتلال الامريكي للبلد، وان مثل هذا التعاون تم بمبادرة من مقتدي الصدر الذي ما زال يعارض احتلال بلده من قبل جيوش اجنبية، وبالتالي ستستمر الحملات العسكرية والسياسية ضده طالما استمر الاحتلال.

 

 


هل ترغب في التعليق على الموضوع؟ . . . اضغط رجاء

27.06.2008