عود على بدء : نشر الوثائق السرية

عود على بدء : نشر الوثائق السرية

موسم دفع المستحقات

 

د. ضرغام الدباغ

 

قرأت مرة أن أحد القادة العسكريين الفرنسيين في الجزائر، قام بجولة ليقنع القبائل العربية المقاومة للاحتلال في بلادهم، وراح يسفسط (حاشا السفسطائيون الشرفاء) مزايا الاحتلال وأنها ستعمر لهم بلادهم، وبالطبع كان يصيغ كلماته بمعسول الكلام، ووعود يسيل لها لعاب البلهاء والأغبياء، وشرذمة من اللاهثون وراء الأصفر والأخضر، وربما يدب شيئ من الاقتناع في عقول البسطاء منهم، ولكن حتى هذا النفر البسيط، وجد من يرد عنهم القائد الفرنسي المثقف، بكلمات هي أقوى من الرصاص وأشد تأثيراً من صوت المفرقعات: شيخ بسيط ولكنه جليل وقدميه تغوران لأعماق الأرض ومنها يستمد الحكمة والمعرفة والثقافة، قال:

 

لا أعرف أيها السيد القائد إن كان ما تقوله صحيحاً، ولكن الغريب أنكم من أجل الإعمار جلبتم معكم كل هذه المفرقعات والقنابل التي تهد بيوت الناس على ساكنيها.

 

من جديد (13/ آب) يستعد موقع ويكيليكس ومقره في الولايات المتحدة(Wikileaks)" نشر 15 ألف وثيقة جديدة حول أفغانستان، وربما ستفضح الوثائق أدوار حلفاء أميركا في الحرب، ومن المؤكد أن المعلومات (وقد سميت أسرارا) لا تشرف جيشاً محترماً، يدقق في تفاصيل الأسلحة المحرمة، وحقوق الإنسان في دول أخرى، وقد يؤدي نشر الوثائق، هبوب تيار الاتهامات، ودفاع الحكومات عن نفسها أمام شعوبها، وهم يعرفون ما قد فعلوا، ومعارضات تغتنم الفرصة لتهاجم الأنظمة التي ساقتها أميركا للحرب، فأحرقت في أفغانستان والعراق مئات المليارات من الدولارات واليوروات، والأهم من ذلك أن الحرب خلفت ألاف القتلى موزعة على الدول المساهمة في الحرب، وأضعاف ذلك من الجرحى والمعاقين، وأضعاف مضاعفة ممن سيتحملون للأبد آلام نفسية وأمراض اجتماعية قد تكون فتاكة كجنون القتل، سعار القتل(Amok) وأسر وعوائل تشتت وحلت فيها مآس اجتماعية ..... لماذا ؟

في تصرح حديث، لمؤسس ومدير موقع ويكيليكس المختص بنشر المعلومات الاستخباراتية، في العاصمة البريطانية لندن (12/ آب): " نحن الآن في نصف الطريق لإتمام ذلك "، في إشارة إلى عملية نشر الوثائق السرية الجديدة، والتي وصفها بأنها "عملية مكلفة للغاية." مضيفاً،  بأن " هذه المعلومات تكشف عن مقتل 20 ألف شخص. وأنها( المعلومات) تحتوي على مكونات مهمة عن إدارة الحرب، وكيفية موت المدنيين ".

كنا قد كتبنا عن نشر الوثائق في شهر تموز المنصرم، كتبنا أن من المؤكد هذه الوثائق لا يمكن أن تنشر بطريقة عشوائية، الأمور لا تتم على هذه الشاكلة في واشنطن ولندن،  فالكل حريص أشد الحرص على كل كلمة تنشر، والدليل الساطع على ذلك، أن هناك قانون في بريطانيا يتيح ليس نشر الوثائق، بل وضع المراسلات تحت أيدي الباحثين والمؤرخين، والقانون يبيح نشر بعضها بعد خمسة وعشرين سنة، وأخرى (أكثر سرية) بعد مرور خمسين سنة، ولكن هناك وثائق سرية لا توضع بأيدي الباحثين حتى بعد مرور أكثر من هذه السنوات، ومثل ذلك(عراقياً) أحداث مصرع المغفور له الملك غازي عام 1939، وانقلاب الفريق بكر صدقي 1936 وغيرها.

وإذا توصلنا لحقيقة مادية أكيدة، أن الوثائق لم تجد طريقها للنشر علناً في موقع الكتروني يبث من واشنطن ولندن، إلا بعد فحص وتمحيص دقيق وبالتالي موافقة صريحة أو ضمنية، والضجة مطلوبة ومرغوبة ....  لماذا ..؟

*الأمريكان يعلمون أن لا أسرار في الحياة، وخصوصاً في حروب كالتي تحدث في العراق وأفغانستان وفلسطين، والأسرار ستنشر إن عاجلاً أو آجلاً، والفضيحة ستكون مضاعفة في هذه الحالة ومدمرة وقد يكون لها نتائج قانونية ضد الحكام والقادة في الدولة.

*نشر الوثائق بما تضم من معلومات، ستثير ضجة إنسانية حتى ضمن الولايات المتحدة الأمريكية، وبهذا تكون الإدارة الأمريكية قد وفرت الأرضية العاطفية لقرار الانسحاب (الفرار)المتخذ والمتوقع خلال فترة يراد منها أن لا يبدو الأمر وكأنه هزيمة منكرة لتفادي عقدة فيثنام، وهي مؤشرات وردت في فترات متفاوتة في تصريحات قادة عسكريين أمريكان وحلفاءهم.

*إظهار الجرائم التي حدثت وكأنها هفوات، وسوء تصرف وتقدير من جنود في الميدان، أو كجرائم فردية على أسوء احتمال، ينال مرتكبوها توبيخات أو تأنيبات أو (عقوبات) بقضاء احتجاز لمدة سنة واحدة يمضي منها بضعة شهور، كما لفلف الأمريكان، ومن أذكى منهم في هذا المجال، فضيحة أبو غريب التي هزت العالم، بحبس مجندة لبضعة شهور وانتهى الأمر(برأيهم) والسلام، ولنتذكر مجزرة قرية ماي لاي في فيثنام 1968 عندما قام ضابط أمريكي (الملازم ويليام كالي) بقتل 300ـ    500 من سكان قرية بأكملها بدم بارد وبدون مبرر، نشرتها الصحف العالمية ومنها الأمريكية، ولكن بنتيجة سخيفة: حبس الملازم كالي لمدة عام، قضى منها بضعة شهور فحسب، عين بعدها بوظيفة مدنية كبيرة ليصرح بعد مرور أربعين عام على الجريمة: " اشعر بالندم تجاه الفيتناميين الذين قتلوا وعائلاتهم والجنود الاميركيين المتورطين وعائلاتهم. إنني اشعر بندم شديد "... شعور بالندم فحسب ........ فيما يقبع سرحان بشارة سرحان منذ عام 1968 في زنزانة الإعدام(42 عام) لاغتياله شخص واحد، ويقول المدعي العام الأمريكي في رفض الإفراج المشروط لآخر طلب تقدم به محامي سرحان: " أنه ما يزال يشكل خطراً على المجتمع ". فإذا كان القاتل لشخص واحد يشكل خطراً فماذا تشكل دولة تغزو بلداناً أخرى تتعهد على إعادتها للقرون الحجرية وتقتل مئات الألوف وتهجر الملايين.. ماذا نقول سوى أن على فقهاء القانون الدولي أن يجدوا وسيلة تحجر بها هذه الدولة الوحش.

*تسريب قدر معين(محسوب بدقة تامة) تحت السيطرة Under Control، تحت شعار: نتحكم في الفعل وردود الفعل قدر المستطاع، أفضل من أن يأتي يوم تنشر في الوثائق لتكون الفضيحة وآثارها مضاعفة. وإيهام الرأي العام في الولايات المتحدة وخارجها، أن هذا هو كل ما حدث..... جرائم أفراد، وليست جرائم جيش له قيادة عامة، ورئيس الولايات المتحدة دستورياً، هو القائد العام للقوات المسلحة الأمريكية. وفي أسوء الاحتمالات تمسح الجرائم بذقن وزير دفاع يكون كبش فداء فيستقيل ...! كما حصل مع دونالد رامسفيلد في فضيحة أبو غريب.

*ما حدث في أفغانستان هو قذر بكافة المقاييس وجرائم حرب وعادية حتى أمام أفسد المحاكم في العالم، ولكن هناك تهيئة الأذهان لوجبة كبيرة من المعلومات التي هي (تاريخياً) في طريقها للظهور هي ضرب من جرائم ستشكل فصل جديد في الفقه الجنائي، وفي علم الإجرام، ولا أقصد سوى الجرائم التي أرتكبها الجيش الأمريكي في العراق بعلم وتوجيه تام من قياداته العسكرية والسياسية، وسوف لن يفلت من سيف العدالة حتى أعضاء الكونغرس التي جرت وتجري هذه الجرائم تحت أبصارهم ومسامعهم، ولا تبدر منهم سوى معمعات تافهة لن تلغي عنهم المسؤولية. 

*القانون الجنائي لا يعفي من المسؤولية من يرتكب الجرائم تحت بند " نفذت الأوامر " ولا يعتبرها من موانع المسؤولية، وبالتالي فإن القاتل الحقيقي هو من أصدر الأوامر. ولاسيما في حالات الحروب حيث القتلى بالملايين أو مئات الألوف، يصبح البحث عن الجندي الفلاني الذي أطلق رصاصة يقرب من العبث، وهذه قضية حسمت في الفقه القانوني منذ محاكمات نورنبرغ للقادة الألمان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وللتذكير فإن من حرك القضية هم الأمريكان أنفسهم ليتسنى لهم محاكمة القادة الألمان وليس الجنود المنفذين للجرائم.

*" وكان القضاء الأمريكي، قد وجه في السادس من يوليو/ تموز الماضي، تهمة " تسريب مواد سرية " إلى الجندي برادلي مانينغ، أحد أفراد الجيش الأمريكي بالعراق، للاشتباه بدوره في تقديم شريط فيديو يظهر قيام مروحية أمريكية بعملية قصف، أتضح أنها أدت إلى مقتل مدنيين" . النص بين المزدوجات هو من الإعلام الأمريكي ويلاحظ بوضوح محاولة لفلفة الموضوع ليتحول إلى حدث عارض بسيط..

وهم، (الأمريكان) تهمهم السمعة بعض الشيئ، فهم يزعمون أنم يقودون مشروعاً عالمياً له أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية(قلنا زعم)، قياساً إلى الصهاينة الذين يتفاخرون بوحشيتهم، وقبل أيام شاهدنا وسمعنا قادة جيش الصهاينة وحكومتهم يمتدحون أداء مجنديهم بلا حياء حتى للرأي العام الدولي الذي أدان اقتحام أسطول الحرية بحمام دم بدون داع، وكذلك الملالي الفرس المخرفين الذين لا يخجلون أن تلصق بهم تهمة التخلف والوحشية والهمجية بهم، فهم مع الخرافة والتخلف في عناق محموم،  ويعدمون العشرات من أبناء شعبهم على الرافعات علناً أمام الجمهور وأما عدسات الصحافة.

وصف وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس، أن هذه الوثائق المسربة، إن تسربت حقاً أن سيكون لها " عواقب وخيمة " على الجنود الأمريكيين(لاحظ على الجنود وليس على من يقود الجنود)، كما أنها قد تلحق الضرر بعلاقة الولايات المتحدة مع حلفائها في المنطقة، يقصد دول جوار أفغانستان، (لاحظ لم يقل مع حلفائها في العالم التي أرسلت جيوشها لتقتل الشعب الأفغاني). وحذر البنتاغون، الموقع من نشر مزيد من الوثائق، حيث صرح نائب مساعد وزير الدفاع للشؤون العامة، أنها " تمثل تكراراً لخطأ تسبب بالفعل في تهديد حياة الكثير من الناس "(أما مئات الألوف ممن قتلوا فليرحمهم الله)، وطلب من مسئولي الموقع إزالة "الوثائق المسروقة" من الموقع، والمثير للسخرية أن قيادة الجيش الأمريكي شنت هجوماً عنيفاً على مدير موقع "ويكيليكس"، وقالت إن يديه قد " تتلطخان بالدماء " جراء الخطر الذي يترتب عن عمله، متناسياً أن جيشه لطخ بقاع كثيرة بالدماء وأرتكب من الخروقات القانونية والإنسانية مما لا يمحى أبد الدهر.

 

وأقر وزير الدفاع الأمريكي بإمكانية وجود آلاف الوثائق الإضافية التي قد يكشفها الموقع خلال الأيام المقبلة، وأضاف أن الولايات المتحدة لديها " التزام أخلاقي" بحماية أرواح كل الذين قد يتعرضون للخطر، جراء ورود أسمائهم في الملفات المسربة "، هكذا يصرح وزير جرائم الحرب، حرصه على من قام بالجرائم ولكن دون اكتراث لمصير الملايين ممن طالتهم الجرائم على أيدي الجنود الأمريكان. وكان مسؤول رفيع بوزارة الدفاع قد أكد أواخر يوليو/ تموز الماضي، أن الجندي الأمريكي، برادلي مانينغ، هو المشتبه به الرئيسي في تسريب عشرات الآلاف من الوثائق السرية الخاصة بعمليات الجيش الأمريكي في أفغانستان.

 

ويعد نشر تلك الوثائق أكبر عملية تسريب استخباراتية في تاريخ الولايات المتحدة، مقارنة بالكشف عن حقبة حرب فيتنام في "أوراق البنتاغون"، حيث علق دانيال ألسبيرغ، مسؤول البنتاغون الذي سرب أسرار حرب فيتنام، بقوله: " لم نشهد تسريباً غير مصرحاً به بهذا الحجم منذ 39 عاماً."

 

إذن فالأمريكان قد عقدوا النية بعد ما يزيد على العقد من المكابرة والمماطلة، وأتفق دهاقنتهم  على الفرار من أفغانستان ولكن مع الاحتفاظ بماء الوجه المسفوح للإبقاء على شيئ  من الكبرياء والحفاظ على التحالفات والمؤامرات السوداء، فبعد أن استعملوا كل الأسلحة، الحرام منها والحلال، وكل أنواع الخدع الخسيسة والدسائس الماكرة، في شراء الذمم والضمائر، والمتهالك والمتساقط من شعبه وبلده، أملاً بلجوء مريح على سواحل كاليفورنيا وحفنة من الدولارات، وها هم ينظفون مسرح الجريمة، سيكلفهم الأمر بضعة ملايين وبضعة أكباش فداء، ويعودون لثرثرتهم المفضلة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والأسلحة المحرمة.

 

ليس مقنعاً على الإطلاق أن لا تستطيع الدول المدججة بالسلاح أن تستوعب ما تخلفه سياساتها الشوهاء في بلدان كثيرة منها أفغانستان والعراق. كما لا يكفي أن يضيق مزاج حاكم في بلد ديمقراطي لديه كونغرس ومجلس شيوخ، أن يسوق القوات المسلحة لبلده وبلدان أخرى إلى حفلات دموية ومجازر لا طائل منها، ليعترفوا بعد عشرة سنوات أن ما فعلوه كان خطأ ..! والسيد جورج دبليو بوش أنتخب لدورتين في منصبه كرئيس للولايات المتحدة، تماماً كما وصل هتلر لسدة الحكم بالانتخابات وستحتاج بلاده لقرون كثيرة جداً لمسح الدماء التي لطخت تمثال الحرية، ولا أعتقد بعدها من المناسب أن تتحدث الولايات المتحدة عن حقوق الإنسان والإرهاب.

 

لتعش الديمقراطية تا تا تا تعي تعي يش

 


هل ترغب في التعليق على الموضوع؟ اضغط هنا

15.08.2010