عن الوطنية و"المخبطين
الخمسة"
علي الصراف
إذا كان بيننا مَنْ يعتقد أن المحنة الراهنة
التي يمر بها العراق، وهي الأكبر منذ غزو هولاكو، قد علّمت من كان يجب أن يتعلم
منها بعض الدروس، فثمة ما يبرهن اليوم على أن هذا الاعتقاد متسرعٌ ولا يصلح للأخذ
بالحسبان بعد.
فالغطرسة والعنجهية والشمخرة، حتى ونحن في هذا
البلاء، ما تزال قادرةً، فيما يبدو، على أن تُقدم الإساءة وتلحق الضرر وتُثبط
العزائم.
"أنا أفضل"، "أنا أقوى"، و.. "أنا أكثر وطنية"، و"لا أحد سواي". هذه
هي من جملة "ثقافة العنف" التي ساهمت في جلب الخراب للعراق. حتى لئن تصورنا إن
المحنة قد كانت كفيلةً بتعليم مَنْ لا يتعلم، فقد اتضح، للمرة الألف، اننا
"مخبطين"، ونركضُ وراء سراب وطنيةٍ لم تتوفر أسسها بعد.
لغة السحق والمحق والتنكر لحق الآخرين في
الوطن، ليست بالأحرى، مجرد لغة خراب وتخريب. ولكنها تنم عن عقلية فشل لن يمكنها أن
تحرر شبرا، مع الأسف. وإذا نجحت في إقامة دولة، فانها ستنجح أيضا في تخريبها بعد
وقت قصير، وفي تركها نهبا للعملاء والغزاة، مرة أخرى وأخرى.
انها لغةُ بومٍ هو الذي ينعق ملايين الجثث في
عراق اليوم.
وإذا شئتَ أن تكون مُنصفا، فلن تفلت من الحقيقة
القائلة إن عراق اليوم، قد كان ثمرة من ثمراتها.
وبعد جولة أخرى من القول: "أنا أفضل"، "أنا
أقوى" و"لا أحد سواي"، فقد عُدنا بأدراجها، بعد هذا البلاء كله، الى نهاية بائسة،
تهمسُ في آذاننا قائلةً: "تيتي، تيتي، مثل ما رحت جيتي".
"أنا الأقوى"، "أنا الأفضل"، "أنا الأوحد"..
الإمتداد الطبيعي لهذا السحق الضمني، يريد أن
يقول أن العراق ملكي أنا. أنا تركته نهبا للغزاة، وأنا أعيد بناءه، على كيفي. لأنه
مال أبو اللي خلفوني. لا شريك لي فيه، ولا أحد سواي يلعب فيه دورا. وغير مقاومتي لا
توجد مقاومة.
والمقاومة لم تحقق بعدُ نصرا تاما. فإذا بمن لم
يتعلم من المحنة درسا، يبدأ بمصادرة النصر، سلفا، لكي لا يُبقي لأحدٍ مكاناً. وإذ
لا أحد سواه، فكل الآخرين هم "خمسة مخبطين". وهو وحده العاقل والجاهز والمُرتّب.
وهو وحده الذي بارك الله من حوله، ووضع على رأسه، دون الآخرين، ريشة.
وعندما يتحقق النصر، هذا إذا جاء أصلا، فانه
سيعطي من عطاياه لمن يرضى عنهم، وسيقوم بتوزيع شهادات الوطنية على من
يرغب.
سؤالي هو:
هل هذا هو ما كنا نقاتل من أجله؟
هل هذا هو ما تسامحنا عليه؟
هل هذا هو الوعد؟
وأي عراق سنبني إذا ثبت أن حليمة لم تكف عن
عادتها القديمة؟
التنكر لوطنية الآخرين وغمط حقهم في الشراكة،
لن يمكنه أن يبني بلدا، ولا حتى أن يستعيد سلطة.
ومن ذا الذي يحتاجُ بلدا تحكمه عاداتُ حليمة
أصلا؟
لقد كنا نريدُ عراقاً نبنيه على مقاس الشراكة؛
على مقاس الوحدة الوطنية، وليس على مقاس حزب واحد.
الظلم والقسوة كانا من بعض ثمرات تجربة الماضي
المُرّة. ولسنا، بعد كل الذي حصل، متعطشين، الى ذلك الحد، الى المزيد من الظلم
والقسوة. وليس فينا من يُغريه أن يعيد الكَرّة بعد العثرة.
كنا نريدُ عراقا آخر؛ عراقَ خيرٍ، وتراحمٍ
ومودّة؛ عراقَ كلمةٍ طيبةٍ للأحرار والشرفاء الذي وقفوا الى جانبه في غمرة
المحنة.
..
عراقَ تآخٍ بين الوطنيين، ينبذُ الإقصاء، وينبذُ اللغة البذيئة، كما ينبذُ مسالك
القسوة.
كنا نريدُ عراقاً آخر، نفرشُ أنفسنا فيه، مثل
السجادة، تحت أقدام الذين خسروا من أجلنا عُمراً.
كنا نريدُ أحزابا تضع نفسها تحت أقدام
العراقيين، لأنهم بسببها (وبسبب أعطالها) صاروا ضحايا، وأن تترك لهم الحرية في أن
يرفعوها لتكون ثرى سياسة أو ثريا سلطة.
فكيف بالذين فقدوا وتشردوا ودفعوا من الثمن
أبهظه؟
وكيف بالذين وضعوا دماءهم على أكفهم من أجل أن
يستعيد العراق حريته؟
كنا نريدُ أخوةً، يختلفون في الرأي، ويحتكمون
فيما بينهم في مجالس خير، فيتفقون أو يفترقون ولكن يظلون أخوة.
لا غدر، لا نكران، لا تبخيس، لا جحود، لا غمط
حقوق، ولا إهانة، لأنهم أبناء أسرةُ وطنٍ جريح. فإن أصاب أحدهم ضررٌ، تداعى له سائر
الآخرين بالسهر والحمى.
لستُ أكتب، لصغير أو كبير، لأخٍ أو عزيز، أو
لجوادٍ كبا، إنما أكتب لمن يملك القدرة على أن يُصدر أمراً، ويعيد النظر في توجّه،
ليقول لأهله: نريدُ عراقاً حراً، على مقاس كل الوطنيين، لا على مقاسنا نحن. لقد
أخطأنا بحق بعضنا بما فيه الكفاية، ولن نعيد الكَرّة بعد العثرة. لا وطنيا وقف ضد
الاحتلال سيجد نفسه مُستبعدا من حقه في العراق. ولا وطنيا سيفقد حقه في كلمةٍ حرة،
ولا أن يخسر فيه موطئاً لقدم. حليمة ماتت. وعاداتها القديمة في الإقصاء والنبذ
والشتيمة قد انقضت وجلبت ما يكفي من الشر. ذلك ماضٍ لن نعود اليه. وشبعنا منه قهرا
ونكرانا وكفرا.
نريدُ عراقاً يملكه أهله، ويصنعه أحراره، لا
عراقاً تغمره الحسرة.
نريدُ عراقاً يكون مشتركاً للصغير والكبير،
وللكثير وللقليل العدد، يُرضي أصغر أقلياته قبل أن يُرضي أكبرها، ويقول للجميع:
شكرا، فهذا البيت ما كان ليُبنى على حقٍ إذا نقصَ منه حجر.
نريدُ عراقاً للجميع، للذين يخالفوننا الرأي
قبل الذين يوافقننا فيه. نعطيهم قبل أن نعطي أنفسنا، ونقدمهم علينا قبل أن نتقدم
عليهم.
لا عراقاً يعودُ ليبكي مصيبته مرتين. مرة
بالغزاة، ومرة بوطنيين لم يتعلموا من المرارةِ درساً.
حبُّ العراق شيءٌ، وحبُّ العودة الى السلطة فيه
شيءٌ آخر.
"حب
الوطن، والدفاع عن مصالحه..."، حسب التجربة الدامية والرهيبة للعراق، أثبتت انها لا
تكفي كتعريف ومعيار للوطنية.
لستَ وطنياً بالضرورة إذا زعمتَ أنك تقاتلُ من
أجل العراق. يجب أن تبرهن أنك تقاتلُ من أجلي أنا، بوصفي واحدا من "المخبطين
الخمسة"، لكي أعرف أنك تقاتل من أجل العراق، وليس، بالأحرى، من أجل العودة الى
السلطة.
يجب أن تُثبت أنك تقاتل من أجل الآخرين، وانك
لا تستمطيهم من اجل خدمة مصالح حزبك.
العراق هو الآخر فيه. وأنت عراقي فقط بمقدار ما
تُدرك انه ليس لك وحدك. وإذا كنتَ قامةً شامخةً فيه، فكلُّ عراقيٍ قامة. وبين عراقك
وبيننا ملايين القامات. فاجعل قامات العراقيين تشمخ، لتشمخ بها، لأنك لن تشمخ،
دونهم، وحدك. وتذلُّ، إذ تذلهم، نفسك!
العراق هو المشترك بين فسيفسائه. وهو ما تراهُ
في تشابكِ السعفات من نخيله.
لا حزباً واحداً يمكنه أن يكون العراق، حتى لو
جاء من غابة بنادق. ومثلما أن العراق لن يعود عراقاً من دون أصغر أقلياته، فانه لن
يُبنى على حقٍ من دون "المخبطين الخمسة"، حتى ولو كانوا بالفعل خمسة، فكيف إذا
كانوا قدموا من الشهداء والضحايا والمحرومين ما ظل يملأ مواقيت الآذان
الخمسة.
لقد جاء الوقتُ يا سيدي، صاحب الأمر، أن تقول
لنا إن "المشترك" بين الوطنيين هو ما يصنعُ وطنيةَ كلَّ واحدٍ منهم.
العراق ليس مال أبو اللي خلّف أي أحد. انه
مُلكي، بمقدار ما هو مُلكك. وإذا كنتُ كبيراً، فحقي فيه يأتي بعد حقك!
يكفُّ الوطنيُّ عن أن يكون وطنيا عندما يبدأ
السحق والمحق ضد وطني آخر؛ ضد الحزب الآخر؛ ضد التيار الآخر؛ ضد وجهة النظر
الأخرى.
من هذا المعيار، فنحن ما نزال بحاجة الى "مشروع
وطني" يبدأ من الإعتراف بالمشترك؛ بالحق في الشراكة؛ بالكبير الذي يكبر بحفظ حق
الصغير؛ وبالتخلي عن اللغة البذيئة، والإتهامات المسلوقة، والأباطيل المستعجلة،
والتأويلات المبتذلة.
وهذا المشروع لم يوجد بعد. انه مشروع المقاومة
الناقص حتى اليوم.
هناك مشاريع حزبية للتحرير. وكل منها يزعم انه
هو "المشروع الوطني".
وهذا يكرر القصة الدامية نفسها. وهذا خطيرٌ،
ومدمرٌ.
المشروع الراهن، كما يدل عليه ما لم نتعلمه من
دروس، هو مشروع "تيتي، تيتي، مثل ما رحت جيتي"، وهذا لا يحرر بلداً ولا يبني
سلطة.
الأوجاعُ التي نرزح تحتها كانت هي دافع القول:
ان الوطني الحقيقي، هو ليس ذلك الذي يدافع عن حزبه (فذلك أمر لا فضل فيه)، بل هو
الذي يدافع عن حزب غيره، عن ذلك "المشترك" الذي يجمع بين الوطني والوطني، ليقوّيه،
وليحوله الى قيمة يحتفل بها ويستفيد منها كل وطني.
الوطني هو ذلك الذي يجرؤ على أن يتخلى عن
"أناه"، ليرفع من شأن ومكانة الوطني الآخر، فيرتفع معه وبه. لا أن يحط من قدره،
فيهبط معه وبه الى أسفل سافلين.
تكون وطنيا أكثر عندما تدافع عن "المشترك" مع
الآخر، حتى عندما يؤذيك.
لماذا؟
لأنك، بإعلاء "المشترك"، تعيده الى الصراط
المستقيم وتجعل من هذا الصراط قيمة قائمة بذاتها.
عندما تدافع عن حزبك وحده، فهذا يجعلك
مليشياويا أكثر مما يجعلك "وطنيا". وطنيتك القائمة على تصور سياسي أو أيديولوجي خاص
بك، ليست وطنية لأنها، ببساطة، لا تلحظ الآخرين ولا تأخذهم في نظر الاعتبار.
ولقد آن الأوان، لنضع حدا لهذا كله، في ما
بيننا على الأقل؛ في ما بين المقاومين؛ في ما بين الذين يدفعون دماءهم ثمنا لحرية
العراق وسيادته وحرية ورفاهية شعبه.
الوطنية هي "المشترك" يا سيدي. الوطنية ليست
أنت، وليست أنا. الوطنية هي ذلك "الشيء" الذي يوجد في "ما بيننا".
هذا "المشترك" إذا ضاع، ضاعت وسقطت وطنيتي قبل
أن تضيع أو تسقط وطنيتك.
وطنيتي هي موقفي منك. ووطنيتك هي موقفك
مني.
ولئن وجَدتني أدافعُ عنكَ مظلوماً، فلأن وطنيتي
غلبتني على جرحي، وجعلتني أقاتل في صفّك، ولو كنت واحداً من "المخبطين
الخمسة".
alialsarraf@hotmail.com