العراق المُحتل : إنقسام طائفي وولاء رغم أنفه لدول الجوار

 

 

التخطيط الغائب في العراق السائب !

 

جمال محمد تقي

 

مفارقات مضحكة مبكية يحملها اعلان وزير التخطيط والتعاون الانمائي في حكومة المالكي ، السيد علي غالب بابان ، عن خطة خمسية للدولة ، اولا لكونها تجيء في الوقت الضائع من عمل الحكومة المنتهية ولايتها ، وثانيا لانها غير ملزمة للحكومات الفدرالية والمحلية ، وثالثا لان تنفيذها يتطلب تكامل واشراف وارادة سياسية هي اصلا مفقودة في ظل حالة الفصفصة والخصخصة الادارية والجغرافية التي تعيشها البلاد ، ورابعا لان الخطة ذاتها موضوعة على اسس تخمينية يغيب عنها الاحصاء الدقيق والمعطيات ذات الثبات النسبي ، وخاصة في مجالات التمويل وجهوزية التنفيذ .

 

ان طرح هكذا خطة وفي وقت يطفح فيه كيل الاهالي من الفشل الذريع الذي تتخبط فيه الحكومة ذاتها ومنذ اربعة سنوات ـ تخطيطا وتنفيذا ـ لحل مشكلة اساسية كمشكلة الكهرباء ، هو محاولة يائسة للتغطية على الفوضى والارتجال والفساد السائد في العراق وحكوماته المتتالية منذ احتلاله وحتى الان ، رغم ان ايحاءات اعلان الخطة وفي خضم النزاع الدائر حول طبيعية الحكومة القادمة ومن سيكلف في تشكيلها ، تشي بان وزير التخطيط نفسه يخطط للاحتفاظ بمنصبه تحت مظلة ولاية المالكي الثانية ، فالوزير من مرشحي دولة القانون التي يتزعمها المالكي ، وزمن الخطة 2010 ـ 2014 هو نفسه الزمن الافتراضي لولاية المالكي الجديدة !

 

حفل الاعلان نفسه كان يتصبب ارتجالا من شدة غياب التخطيط له ، فسعة الحشد الاعلامي الرسمي المخصص لتغطيته ، وحرص المالكي على حضوره الشخصي فيه ، وكثرة التلاعب المتفائل بالارقام المعلنة لم يعطيا حفل الاعلان هذا ، سوى معنى واحد ، هو الدعاية لولاية ثانية لحكومة تدعي حرصا على التخطيط لخدمة الشعب ، وتوعده بتحقيق ما لم يتحقق .

 

الذي فات وزارة التخطيط ووزيرها ان العراق بحاجة الى خطة استثنائية لاعادة اعماره ، ولابد لهكذا خطة ان تكون طويلة الامد ـ من 5 الى 15 سنة ـ بمعطيات استراتيجية تحقق الحد الاعلى لمختلف وجوه الامن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ـ بما في ذلك الامن الغذائي والمائي والدوائي والكهربائي والصناعي والزراعي والخدمي والصحي والتعليمي ـ ويتم ترجمة هذه المعطيات الى مفردات خمسية ، تفصل وبالبيانات الدقيقة موازنة بين الحاجات الملحة الانية وبين ما يبنى عليها من تراكمات متصاعدة مستقبليا ، اخذة بنظر الاعتبار الضرورة القصوى لاعادة تاهيل كامل الهياكل الارتكازية لمكونات البنية التحتية ـ طرق المواصلات والاتصالات ، الصناعات الوطنية ، تنويع مصادر الماء والكهرباء ، واعادة هيكلة وتاهيل المدن وخدماتها ، مثلما يتم اعادة تاهيل الانتاج الزراعي والحيواني في الارياف ، ووضع حلول عملية لمشاكل المهاجرين والمهجرين ، ومعالجة تسرب الكفاءات الوطنية للخارج وبنسب مخيفة !

 

على وزارة التخطيط ان تعترف بان تمويل الخطط الاستثنائية يتطلب امولا اضافية غير تلك المرصودة من بيع الانتاج المتذبذب للنفط المستخرج حاليا ، انه يتطلب اموالا يرصدها المحتل الامريكي نفسه كتعويضات عن الخراب الذي تسبب به ، والذي شمل كل شيء حيوي في العراق ، من الانسان الى الارض وما تحتها وفوقها ، فعملية التخلص من مخلفات الحرب الملوثة بالاشعاعات ، وحدها تكلف المليارات ، ناهيك عن الاثار المترتبة عن تسرب المواد المشعة لمعظم نواحي البيئة العراقية التي تعرضت للقصف بالقذائف المشبعة باليورانيوم المنضب .

 

العراق بحاجة ماسة لمجلس اعلى للتخطيط يكون نافذ الصلاحيات ، ويشكل من خيرة المختصين والخبراء الوطنيين ليجري المسوحات والاحصاءات المطلوبة ، ويضع الخطط النهضوية لكل المجالات الحيوية في البلاد .

 

عام 1950 تاسس مجلس الاعمار العراقي بتوصية من البنك الدولي ليتولى شؤون التخطيط واستثمار الدولة في عمليات ارساء البنى التحتية ، وكان المجلس مكون من رئيس الوزراء ووزير المالية وستة اخرين يكون ضمنهم ثلاثة من ذوي الاختصاص ، وبعد قيام الجمهورية العراقية الاولى على اثر ثورة 14 تموز 1958 تم الاهتمام النوعي بتخصص وعمل الوزارات المعنية بشؤون التنمية الاقتصادية ماديا وبشريا ، وبنظرة تكاملية تبتغي النهوض بالواقع المتخلف القائم ، وفق برامج قريبة وبعيدة تركز على البنى التحتية والاستثمار الاستراتيجي فيها ، وكان تخصيص وزارة للاقتصاد ووضع خبير وطني على رأسها ، كما حصل ايام الاقتصادي المرموق ابراهيم كبة ،علامة صحة بارزة في مسيرة الجمهورية الوليدة ، وبعد السبعينات اصبحت وزارة التخطيط واحدة من اهم الوزارات العراقية لما لها من دور استثنائي في التنمية المستحدثة ، فالجهاز المركزي للاحصاء ، والتخصص التخطيطي وبحسب القطاعات الاساسية الزراعية والصناعية والسكانية ، والبحث في مجالات الاستثمار البعيد المدى وفي كافة المجالات الاستراتيجية ، كانت كلها ادوات فاعلة للنهضة الصارخة التي شهدها العراق فيما بعد ، حتى جاء الحصار الشامل ليعطل هذه الاجهزة وعملها والتي تعرضت للاجتثاث بعد الاحتلال ليبقى العراق اسيرا لفوضته المتراكمة حتى الان !

 

وزارة التخطيط في حكومات الاحتلال ليس لها تلك الاهمية الحقيقية السابقة ، فهي مرتبطة بشكل مباشر بقوة الدولة وقدرتها على لم شمل كل اجزاء مساحتها ارضا وشعبا ، وفي دولة المكونات لا مكان للتخطيط

 


هل ترغب في التعليق على الموضوع؟ اضغط هنا

07.08.2010