نشر الوثائق السرية كمؤشر

نشر الوثائق السرية كمؤشر

 

 

 

د. ضرغام الدباغ

 

بتاريخ 25/ تموز / 2010 نشرت في آن واحد المواقع الثلاثة المهمة: الأمريكية CNN والبريطانية BBC والألمانية Deutsche Welle أنباء مثيرة عن قيام موقع على الانترنيت (Wikileaks) المتخصص بنشر المعلومات والوثائق السرية الأمريكية، بنشره 90 ألف وثيقة سرية من الوثائق السرية الأمريكية المتعلقة بالحرب التي تخوضها الولايات المتحدة في أفغانستان، وتتضمن بعضاً من أنشطة القوات المتحالفة في الحرب هناك، وأنباء غير معروفة عن مجازر قامت بها تلك القوات ضد مدنيين، وأسرار عسكرية وسياسية عديدة.

 

ومن نافلة الكلام القول، رغم الغضبة (الخفيفة) التي أبتها الإدارة الأمريكية والمتحدث بلسان البيت الأبيض، أن نشر تلك الوثائق لم ولن يتم دون ضوء أخضر وموافقة صريحة ممن بيده صلاحية أعطاء الضوء. ومن ثم فالجهات الثلاثة التي قامت بشره عن الموقع الأمريكي وهي صحيفة (the Guardian)الغارديان البريطانية وهي من صحف المقدمة، ومجلة دير شبيغل الألمانية (Der Spiegel) ولا يحتمل أن تقوم هاتان المطبوعتان بمنشر وثائق لا تحوز على الضوء الأخضر والموافقة على نشرها بما يضر سلامة أمن القوات المسلحة والأنشطة السياسية.

 

أما موقع ويكيليكس، فقال إن الوثائق التي أسماها بيوميات الحرب الأفغانية قد كتبها جنود وضباط استخبارات وهي تصف في الأساس الأعمال العسكرية المميتة التي يشارك فيها الجيش الأمريكي. وإن التقارير لا تغطي العمليات بالغة السرية أو العمليات التي تقوم بها القوات الأوروبية والقوات الدولية الأخرى المعروفة بأسم إيساف(ISAF). وتقوم ويكيليكس بتسريب المعلومات لمكافحة فساد الحكومات والشركات، وهو ما يرجح صفتها المشبوهة المزدوجة. وكانت في وقت سابق من هذا العام قد سربت تسجيلاً مصوراً سرياً يظهر هجوما بطائرة هليكوبتر عام 2007 قتل فيه 12 شخصا في العراق بينهم صحفيان لرويترز.

 

نيويورك تايمز الأمريكية وغارديان البريطانية ومجلة دير شبيغل الأسبوعية الألمانية. ونشرت ويليكس تلك معلومات أمس الأحد والتي تضم أكثر من 90 ألف وثيقة سرية عن سنوات الحرب في أفغانستان تحوي تفاصيل عن حالات لم يبلغ عنها من عمليات قتل للمدنيين الأفغان ووجود قوة خاصة لمطاردة قادة طالبان لقتلهم أو أسرهم دون محاكمة بالإضافة إلى وثائق تشير إلى قيام باكستان بإذكاء التمرد هناك.

 

وقالت نيويورك تايمز إن الوثائق تغطي فترة إدارتين أمريكيتين وتوضح بالتفصيل سبب ازدياد قوة طالبان أكثر من أي وقت مضى منذ عام 2001. وأضافت أن المعلومات عبارة "عن يوميات لقوة أمريكية تفتقد غالبا للموارد والاهتمام وهي تحارب التمرد الذي ينمو بشكل أكبر". واعترفت الصحيفة بأن الوثائق "سجل غير كامل عن الحرب، كما أنها لا تغطي أحداث هذا العام مع بدء الاستراتيجية الجديدة لمحاربة التمرد. ولكنها ذكرت أن الوثائق تعطي "صورة محبطة" للشرطة والجنود الأفغان، وأن التقارير تسرد روايات عن وحشية الشرطة وفساد كبير وابتزاز وخطف، وانضمام بعض عناصر الشرطة الأفغانية إلى طالبان. كما تتهم التقارير بعض ضباط الشرطة بالتعاون مع المتمردين ومهربي الأسلحة وقطاع الطرق.

 

أما صحيفة غارديان فقد ركزت على وحدات القوات الخاصة مثل قوة المهام 373، وهي مجموعة مميزة من عناصر النخبة من الجيش والبحرية تتعقب قادة طالبان من أجل "قتلهم أو إعتقالهم" دون محاكمة. وقالت إن الولايات المتحدة تخفي أدلة عن حصول طالبان على صواريخ أرض جو وتحدثت عن تصعيد طالبان لعمليات التفجيرات على الطرق التي أدت لمقتل أكثر من ألفي مدني حتى الآن.

 

وتحدثت مجلة دير شبيغل الألمانية عن الوضع الأمني المحفوف بالمخاطر والمتدهور في الشمال حيث تنتشر القوات الألمانية.

 

وصرح جوليان أسانغ، من مؤسسة موقع "ويكي ليكس،" الذي نشر الوثائق، إنها تكشف بيانات الجيش الأمريكي الخاصة بالحرب من قتلى، وضحايا وتهديدات، لافتاً إلى أن تلك المستندات تكشف بؤس الحرب، وعن حوادث صغيرة لم يكشف عنها وساهمت في رفع الحصيلة الضخمة للقتلى المدنيين.

 

ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز" 24/ تموز إحدى الوثائق العسكرية أن باكستان، وهي حليف للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، تقوم بما أسمته "لعبة مزدوجة "، وذلك بالسماح لممثلين عنها من جهاز الاستخبارات بالاجتماع مباشرة مع حركة طالبان، في سياق إستراتيجية سرية لتنظيم شبكات من الجماعات المتشددة لمقاتلة الجنود الأمريكيين في أفغانستان، وحياكة مؤامرات لاغتيال القيادات الأفغانية.

 

وصرح متحدث بأسم حكومة كرزاي أن كابول (غاضبة) جراء اكتشاف أن الولايات المتحدة كانت تدرك حجم الروابط بين المخابرات الباكستانية وطالبان ولم تتصرف حيال ذلك.

 

فيما أعربت باكستان عن سخطها لنشر هذه التقارير. كما وصف سفيرها لدى واشنطن الأمر بأنه تصرف غير مسؤول وأن التقارير التي تتهم الاستخبارات الباكستانية، ليست سوى تعليقات وشائعات من مصدر واحد تنتشر في جانبي الحدود الباكستانية ـ الأفغانية وغالبا ما يثبت أنها غير صحيحة.

 

وتتضمن الوثائق السرية (بصفة عامة) عن:

 

1.     حالات لم تنشر عن عمليات قتل لمدنيين أفغان.

 

2.     تأسيس فرق خاصة لمطاردة واغتيال قادة وشخصيات أفغانية.

 

3.     أدوار سرية لباكستان وإيران في الحرب الأفغانية.

 

4.     معلومات عن الفساد المستشري في الأجهزة الأفغانية.

 

5.     تعاون بعض الأجهزة الأفغانية وضبط الجيش والشرطة الأفغانية مع حركة طالبان.

 

6.     أنشطة تهريب الأسلحة والمخدرات.

 

7.     معلومات عن حصول حركة طالبان لأسلحة مهمة(صواريخ أرض ـ جو).

 

8.     تحليل أسباب تصاعد قدرات وشعبية طالبان مقابل تلاشي وضمور التأييد للأميركان ولحكومة كرزاي.

 

9.     لماذا يتدهور الموقف في الشمال  ؟

 

10. تشكيل وحدات خاصة ك (قوة المهام الخاصة  373) المتخصصة بأعمال الخطف والاغتيال.

 

ماذا يعني نشر هذه التقارير التي نرجح كما أسلفنا أنها لا تجد طريقها إلى العلنية دون إشارة موافقة من الأجهزة الأمنية الأمريكية..؟

 

ـ بعد حملة عسكرية مروعة قادتها قوات إيساف، ذهب ضحيتها الكثير من المدنيين، ردت حركة طالبان بهجوم عام على كل الجبهات أوقعت العديد من الخسائر في الائتلاف العسكري إيساف.

 

ـ هناك أكثر من مؤشر في الوثائق وغيرها، ومن مؤشرات ميدانية عديدة أن الولايات المتحدة، وقبلها حلفاؤها، يدركون تمام الإدراك أن الحرب خاسرة، وأن الهزيمة مؤكدة، وهم بصدد البحث عن أفضل الخيارات المرَة المتاحة، وأن الجيوش التي ساهمت في القتال ستعود إلى بلدانها بخفي حنين، ولكن بذكريات مريرة عن الحرب في مجاهل هندكوش، وألام نفسية مبرحة، ونتائج الهزيمة السياسية والعسكرية التي لحقت بأقوى جبهة عسكرية / سياسية.

 

ـ هناك رفض متنام في البلدان التي تشارك في إئتلاف إيساف، ويجد هذا الرفض تعبيراته في الإعلام، وفي الانتخابات وبصور عديدة.

 

ـ الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها، ما لم تستطع أن تحققه بواسطة جيوشها الجرارة، تبحث عنه عبر خيارات قد توفرها الأجهزة الاستخبارية من خلال الصفقات السرية، وشراء العناصر، وبيع أخرى، من أجل الخروج بموقف شبه كريم.

 

ـ ومن تلك الخيارات المرة، البحث عن عناصر ضمن حركة طالبان يمكن التفاهم معها على الخروج بما يحفظ ماء الوجه. وهناك مساعي علنية " لشراء " (هكذا كما ورد في الأنباء) المعتدلين منهم.  

 

الحقيقة الأبرز التي أفرزتها حروب الولايات المتحدة الأمريكية هي:

 

" ربما تستطيع الولايات المتحدة بقواتها الجبارة أن تتدخل في أي منطقة في العالم، بسرعة، وقد تحدث مفرقعاتها ضجة كبيرة، إلا أنها لا تستطيع (حتى مع حلفاءها) أن تحسم ما تبدأه من حروب عدوانية ".

 

الوثائق هي فضحية المهزومين، فضيحة المتعاونين، فضيحة الحكومات الكارتونية القائمة بحراب الأجنبي.

 

 

وكما يقول المثل:

 

" يوم عندنا يا رب "

 

ويوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله والوطن والشعب بقلب سليم

 


هل ترغب في التعليق على الموضوع؟ اضغط هنا

27.07.2010