عبد
الرزاق الخابط " والرطين "
زامل عبد الرحمن
قبل أيام نشر السيد عبد الرزاق
الصافي في بعض مواقع الانترنيت مقالا بعنوان " تراهم يرطنون "، مستذكرا في بداية
المقال الذكرى التسعون لثورة العشرين المجيدة، معرجا على احد قــــــــــادة الثورة
( شعلان أبو الجون ) ولقاءه مع غلوب باشا، ذاكرا تعليق أبو الجون على الملك وحاشيته
من رجال الحكم في بداية تأسيس الدولة العراقية " ايه ، بس تراهم يرطنون " ، ليربط
ذلك برطين القوى المتنفذة التي تتحكم بالعملية السياسية في عراق اليوم وبعد
الانتخابات الأخيرة، معدداً مساوئ تلك القوى .
الغريب في الأمر إن الطرح
السياسي بهذه الطريقة لإعلام وأدبيات الحزب الشيوعي العراقي ( جماعة أبو داود )
وشخصياته البارزة قد بدأ بعد فشل قائمة اتحاد الشعب الخاصة بتلك المجوعة في
الانتخابات الأخيرة، وبالتالي خسارتهم لمقاعدهم في مجلس النواب والوزارة العراقية
وما يتبع ذلك من حقوق وامتيازات .
نقول للسيد الصافي الم تكن أنت
ورفاقك ترطنون على نفس التردد للقوى المتنفذة التي تذكرها في مقالك قبل فشلكم في
الانتخابات الأخيرة، الم تتحدثوا عن استكمال مستلزمات القوى الأمنية للحصول على
الاستقلال الكامل وإخراج القوات الصديقة متعددة الجنسيات محاولين تحاشي كلمة
الاحتلال، ما الفرق بين الاحتلال الحالي والاحتلال البريطاني للعراق في بداية القرن
السابق والذي كان من دواعي تفجير ثورة العشرين التي كتبت بصددها، ألم يدعي المحتلين
في الحالتين إنهم فاتحين ومحررين وليس محتلين، تتحدث عن معاهدة 1930 التي أبقت جوهر
السيطرة البريطانية على العراق ولم تتحدث عن الاتفاقية الأمنية مع المحتلين الجدد
لأنكم من ضمن الموقعين عليها ووصفها شيخكم بأنها " أفضل السيئات " ، ألم تبق تلك
الاتفاقية جوهر السيطرة الأمريكية على العراق وموارده .
هل بدأت هذه الدوامة التي تتحدث
عنها الآن أم منذ 9 / 4 / 2003 وتم التحضير لها قبل ذلك بكثير وجزء منها كان لقاء
شيخكم أبو داود مع ممثل المخابرات المركزية الأمريكية ( ( C.I.Aفي أحدى غرف وزارة الخارجية الأمريكية في
أواخر عام 2000 .
بعد كل هذا الرطين أرى يا سيد
عبد الرزاق انك تستحق لقب الخابط وليس الصافي وبجدارة، ويبدو إن السيد شوكت خزندار
كان محقاً عندما ناداك في مذكراته وعلى الطريقة الكردية ( يا رزا قنا ) .
تراهم
يرطنون" !
عبد الرزاق الصافي
مرّت قبل اسبوعين الذكرى السنوية التسعون لثورة
العشرين المجيدة ، التي قام بها الشعب العراقي ضد الاحتلال الانجليزي،من اجل
الاستقلال والحكم الديمقراطي الدستوري . الثورة التي وإن قمعت من قبل القوات
المحتلة بالحديد والنار ، غير انها حسمت نقاشاً كان يدور داخل الحكومة البريطانية
عن الكيفية التي يجب ان يدار بها العراق: حكم استعماري مباشر ، كما كان الحال في
الهند يومذاك ، وهذا ما كانت تريده مدرسة الهند في وزارة المستعمرات البريطانية ،ام
اقامة حكومة اهلية تحت الانتداب البريطاني ، تأتمر بما يقوله الانجليز. وانتصر
الرأي الاخير ، وعقد مؤتمر القاهرة الذي قرر تنصيب الملك فيصل الاول ملكاً على
العراق ، وجرى اخذ البيعة له على اساس اقامة دولة ملكية دستورية مستقلة .وجرى فرض
الانتداب على العراق الذي دام عقداً من السنين تقريباً و انتهى بعقد معاهدة 1930
التي ابقت جوهر السيطرة البريطانية على العراق بواجهةّ "وطنية" حتى قيام ثورة
الرابع عشر من تموز/يوليو 1958.
وكان من بين قادة الثورة شعلان ابو الجون ، الذي
كان اطلاق سراحه من قبل عشرة مقاتلين شجعان من ابناء قبيلته إيذاناً بإندلاع الثورة
التي التهبت في منطقة الفرات الاوسط في الثلاثين من حزيران/يونيو1920 لتعم العراق
كله تقريباً.
يروي الضابط البريطاني الكبير غلوب باشا (ابو
حنيك) انه كان بصحبة شعلان ابو الجون في سيارة ، بعد قيام الحكومة العراقية في عهد
الملك فيصل الاول ، ومروا بمنطقة شهدت احدى المعارك الكبرى ايام الثورة ، انفعل
وقتها ابو الجون وقال لغلوب باشا " شوف ، هنا كانوا عمامك ( ويقصد عساكر الجيش
البريطاني) وهنا كانوا خوالك "(ويقصد الثوار ، الذين كان هو من بينهم)....وعندما
رأى ابو حنيك شدة انفعال ابو الجون قاطعه مهدئاً : محفوظ ، لكن الآن صار عندكم ملك
، وحكومة وبرلمان من ابناء البلد ..." فرد عليه شعلان ابو الجون :" إيــــه ، بس
تراهم يرطنون " (اي نعم لكنهم يرطنون � اي انهم لا يتكلمون بشكل صحيح) . والمعنى
انهم يتحدثون عن الاستقلال ومصلحة الشعب وسيادة الامة و... وغيرها من الامور بشكل
لا يعكس الواقع الحقيقي.
تذكرت هذا الحوار الذي ينطبق الى الى حد كبير على
واقع القوى المتنفذة التي تتحكم بالعملية السياسية هذه الايام . فالكل يرطنون ،اي
يتحدثون عن مصلحة الشعب والديمقراطية واحترام الدستور وسيادة القانون وشجب الطائفية
والمحاصصة ومكافحة الفساد ونهب المال العام وضرورة الإلتزام بقواعد الديمقراطية في
العمل السياسي وتداول السلطة بشكل سلمي وفقاً للدستور واعتماد الكفاءة في اختيار
الوزراء والمسؤولين الكبار ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب وضرورة تكريس
الجهود لتأمين الخدمات لابناء الشعب ،وكلهم في الكلام ضد التدخلات الخارجية في شؤون
العراق الداخلية . ولكن الواقع يعكس شيئاً آخر . فها قد مرت اكثر من اربعة اشهر على
انتخابات مجلس النواب ، ولم يستطع قادة الكتل الفائزة من الاتفاق على تشكيل الحكومة
الجديدة . ومر شهر على انعقاد البرلمان الجديد ، وجعلوا الجلسة مفتوحة ببدعة
دستورية . ولم يكفهم الشهر للاتفاق على الرئاسات الثلاث : رئاسة الجمهورية
والبرلمان والحكومة ، لانها ينبغي ان تتم في صفقة واحدة .
اكتب هذه السطور قبل اليوم الثالث عشر من هذا
الشهر موعد انعقاد جلسة البرلمان ، التي يـُفترض فيها ان تنتخب رئيساً له ، ورئيساً
للجمهورية يأخذ على عاتقه تكليف رئيس الكتلة الاكبر في البرلمان لتشكيل الحكومة
الجديدة خلال خمسة عشر يوماً ، تعقبها فترة اقصاها شهر لإنجاز هذا التشكيل ،إذا
امكنه ذلك . وإلّا ينبغي ان يصار الى تكليف شخصية اخرى لهذه المهمة . وهكذا تستمر
هذه الدوامة حتى الشتاء القادم،كما يتوقع المراقبون، وابناء الشعب يكتوون بنار الحر
في جو بلغت درجة الحرارة فيه نصف درجة الغليان في الظل ، مع شحة بالغة في تأمين
الطاقة الكهربائية ، ومع استمرارنشاط القوى الارهابية التخريبية المجرمة في قتل
المواطنين بالسيارات المفخخة والعبوات والاحزمة والملصقات الناسفة وغيرها من
الاساليب الاجرامية .
فال متى يظلون يرطنون وصبر الشعب يكاد
ينفد!؟