صراع الفاشلين للبقاء في حكم العراق

صراع الفاشلين للبقاء في حكم العراق



    أمير المفرجي

قد تكون التصريحات الخطيرة الاخيرة التي جاءت على لسان السيد عمارالحكيم, والتي طالب من خلالها شركاء الامس في حزب المالكي بتقديم كشف حسابي لمجلس النواب عن أموال الدولة التي هُدرت منذ 2006 والتي تقدر بـ (300 مليار دولار حسب مصادر للمجلس الأعلى الإسلامي), أو (200 مليار دولار حسب مصدر عراقي مستقل), كإتهام صريح لحالة الفساد التي تتحملها حكومة السيد المالكي,  وتأقلم ماكر للسيد عمار الحكيم مع حالة غليان الشارع العراقية التي فجرتها إنتفاضة العراقيين بخروجهم في مظاهرات الكهرباء نتيجة للفشل الذريع التي مُنيت به تجربة حكومة الاحتلال الرابعة والمحاصصة الطائفية بعد ان عمت المظاهرات المدوية مدن العراق الجنوبية الثائرة كرد فعل على مأالت عليه مدنهم الغنية بالنفط من إهمال وتشرذم. وحيث تتهم الاغلبية الكادحة من الشعب العراقي ساسة البلاد الجدد بأنهم أطاحوا بالعراق إلى أدنى المستويات وفي جميع النواحي الاقتصادية والأجتماعية بما في ذلك الفساد الذي أوصل أحد أغنى بلد في المعمورة إلى  قائمة المراتب الدنيا عالميا حسب تصنيف منظمة الشفافية العالمية.

 

فبالإضافة الى حجم التحديات الرئيسة التي واجها العراق غداة سقوط دولته في 2003، وانهيار البنية التحتية وضعف مؤسسات الدولة وديون العراق الخارجية، ساهمت النخبة الطائفية الفاسدة في التسلط على مقدرات الشعب العراقي والتحكم بمصيره وخيراته. وقد ساهم عنصرالنفط كمصدر مهم ورئيسي في الثروات في كشف المستور وفضح زيف ما يدعي به هؤلاء في بناء عراق ديمقراطي عادل يضمن للمواطن الرخاء والعدالة الاجتماعية, والحرص في تقسيم واردات الشعب النفطية واعادة بناء بنيته التحتية المدمرة بما فيها الخدمات الحيوية من ماء وكهرباء. فقضية الكهرباء مثلا والتي تقول الحكومة إنها أنفقت عليها منذ عام 2006 حتى الآن قرابة 17 مليار دولار لتحسينها لم تتحرك من وضعها بل ازدادت من سوء إلى أسوأ. حيث وصل انقطاع التيار الكهربائي إلى حد لم يستطع المواطن تحمله, بالرغم من ان وزارة الكهرباء كانت قد وقعت حسب تصريحاتها المعلنة عقودا بمليارات الدولارات مع شركات أميركية وألمانية ويابانية لكن بدون أن يكون لها أثر على أرض الواقع.

 

وهكذا وبعد مرور اكثر من أربعة أعوام من عمر الحكومة المنتهية ولايتها, وبعد انفاق (200 مليار دولار)، نجد الوضع مترديا للغاية لدرجة أصبح فيها مستوى حالة العراق شبيهه ومقاربة إلى مستويات الدول الفقيرة في العالم.  فلا نعرف أين ذهبت مليارات الاموال التي صرفت على قطاع الخدمات من ماء وكهرباء ومشاريع أعادة البنى التحتية من خدمات اجتماعية وصحية؟ هل هو سوء إدارة لنخبة عراقية لاتملك أبسط المؤهلات في قيادة الدولة أم ان الموضوع يتعلق في الفساد الذي عم الدولة ودوائرها ومسؤوليها.

 

وبغض النظرعن الاسباب ودور الصراع الطائفي الداخلي في العراق في التشبث بالسلطة في دفع السيد عمار الحكيم في المطالبة بكشف الحسابات لميزانية الدولة للاربع سنوات الماضية, فأن حكومة المالكي شاءت أم أبت مسؤولة في الوقت الحاضر خصوصا وبعد أنتهاء صلاحياتها الدستورية في كشف الحقيقة فيما يتعلق بمصير الاموال الطائلة التي تم التصرف بها وهدرها دون ان يستفيد منها الشعب العراقي وهي التي تم تخصيصها لغرض رفع المستوى المعاشي والواقع الخدمي في البلاد. في الوقت الذي وقفت  نفس هذه الحكومة ضد جميع محاولات البرلمان لاستجواب وزرائها لمنع وصول الحقيقة للحفاظ على سمعة الحزب الحاكم (حزب الدعوة) والاحزاب التي يتبعها الوزراء المطلوبون للاستجواب رغم ثبوت الكثير من قضايا الفساد على بعض تلك الوزارات كوزارة التجارة مثلاً.

 

 ومن الجدير بالذكر فأن للشعب العراقي الحق في المطالبة من الحكومة السابقة بتقديم كشف حسابي لمجلس النواب عن الأموال التي صرفت من اجل الخدمات إنطلاقا من (الحق الدستوري) الذي تفرض على أية حكومة تنتهي ولايتها من الناحيتين القانونية والدستورية. وسوف لايكون لهذا الكشف الحسابي أي مصداقية ان لم يكن معزز بوثائق مالية رسمية من البنك المركزي العراقي الذي هو المسؤول الوحيد والشرعي لتصديق هذه المعلومات. وبما ان هذه الوثائق ستطرح أمام جلسات مجلس النواب القادم, فقد يبدوا لنا سيناريو عملية الهجوم الأخيرعلى هذا البنك وطريقة حرق مستندات النفقات للدولة في أن المسؤولين المباشرين عن الملف المالي في هذه الحكومة هم أكثر المستفيدين من عملية الاتلاف هذه, وان ما اُريد من خلال هذه العملية هو اصرار النخبة الطائفية الحاكمة للتغطية على فضائح الفساد المالي في البلاد التي هي فقط صاحبة المصلحة الكبيرة في تدمير هذه المستندات والوثائق المتعلقة بمصاريف الميزانية قبل ان تقع في حوزة البرلمان الجديد الذي سيكون باستطاعته من كشف الحقائق, وإدانة السارقين في حالة ثبوتها.

 

بلا شك ان إستمرار مسلسل جرائم الفساد المالي والإداري والسرقة المنظمة المسيطرة على المشهد الحكومي في العراق المُحتل تقع على عاتقة ومسوؤلية النظام الحاكم وباختلاف درجات عناصره وموقعها في مقياس الهرم السياسي في الدولة. وهي بالتالي حالة فساد واضحة لنخبة سياسية طائفية انعدمت  ثقافتها من أي حس وطني ولم يكن في نيتها سوى تنفيذ أهداف فئوية لكسب المال العام وسرقته. وقد يكون هذا طبيعيا ومنطقيا اذا ما اخذنا بعين الاعتبار حقيقة المسار الشخصي والثقافي وحضانته الطائفية التي تميزت بها هذه العناصر الدخيلة التي لا تصلح في قيادة شعب ولا حتى الائتمان على ثرواته.

 

وتأتي محاولات التسقيط المتبادلة والاتهام بالفساد بين اقطاب العملية السياسية الحالية من وزراء وقيادين تزامنا مع توقعات كشفت عنها الاوساط الوطنية في البلاد في أعقاب فشل الاحزاب الدينية المذهبية في حكم العراق وإنصاف شعبه. ونتيجة للتشرذم الذي منيت بها هذه التيارات الدخيلة على الثقافة السياسية الوطنية العراقية بات من الممكن في ان يواجه زعماءها منافسة شديدة للبقاء في مناصب الدولة وأمتيازاتها. لقد كانت عملية تجميد او إقالة وزير النقل عامر عبدالجبار نتيجة لرفضه حل شركة الخطوط الجوية العراقية وممناعته في أن تحل محلها شركات طيران تابعة لمسئولين عراقيين تأسست بأموال الفساد كهيئة الحج والعمرة التي يرأسها محمد تقي المولى المقرب من السيد عمار الحكيم. ويأتي قرار إحالة وزير النقل إلى الإجازة القسرية وتكليف وزير الأمن الوطني القيام بمهامه بعد نحو أسبوعين على قبول المالكي استقالة وزير الكهرباء كريم وحيد وإسناد إدارة وزارته إلى وزير النفط حسين الشهرستاني.

 

وبانتهاء المهلة الدستورية التي دخلت شهرها الخامس وفشل الاطراف في اختيار لرئيس للجمهورية, يحتدم الصراع الطائفي في العراق هذه الايام بين حلفاء الامس وخصوم اليوم  من حلفاء إيران في العراق ، وكما كان متوقعا له، في ظل مؤشرات واتهامات متبادلة بالفساد وسرقة المال العام التي يتم تبادلها في ما بينهم، والتي يمكن ان تلقي بظلالها على توازن العملية السياسية والاوضاع العامة في البلاد التي جاء بها الاحتلال. وقد تكون أحدث صور هذا الصراع الطائفي، هو تخبط إيران وفشل رئيس فرع الحرس الثوري في العراق قاسم سليماني في تقريب وجهات النظر بين الائتلافين الطائفيين وتكليف لاريجاني بملف تشكيل الحكومة العراقية ناهيك عن كل هذه السجالات والتراشقات الكلامية التي تتبادلها الاطراف الحاكمة في حزب الدعوة وحزب الحكيم، والتي كان أخرها تصريح المستشار الإعلامي للمجلس الأعلى الإسلامي باسم العوادي في "إن ثمة مشاورات بين الائتلاف الوطني وقائمة العراقية وان هناك قواسم مشتركة بين الائتلاف الوطني والعراقية أكثر من تلك التي تجمع العراقية وائتلاف دولة القانون".

 

هذه التصريحات التي  يُمكن ان نعتبرها ابتداء من الأن على انها تترجم بوضوح سيناريو صراع الفاشلين للبقاء في حكم العراق وتُمثل في نفس الوقت جزء من السباق المحموم في أقصاء الأخر والانفراد في التحالف كطرف طائفي مذهبي وحيد للمشاركة في الحكم مع السيد أياد علاوي وقائمة العراقية الفائزة باعتبارها طوق نجاة لهم للتشبث والبقاء إذا ما اخذنا بعين الاعتبار النجاح النسبي الذي حققته القائمة العراقية وقدرتها في جذب المواطن العراقي الى حد ما بعد نجاحها الواضح في إعادة تنظيم تجانس وحدة الصف العراقي وجمع العراقيين الشيعة والسنة والاقليات الأخرى تحت خيمة المواطنة وشرف الولاء المطلق لمرجعية الوطن الواحدة للجميع.

 

أمير المفرجي كاتب من تيار المواطنة الوطني العراقي

 

 

نشر هذا المقال في القدس العربي في عددها ليوم السبت 2010.07.17.

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟ اضغط رجاء.

 

22.07.2010