المعقول واللامعقول في مسرح السياسة الأمريكية

المعقول واللامعقول في مسرح السياسة الأمريكية

 

د. ضرغام الدباغ

 

كتب كثيراً عن المعقول واللامعقول في الأدب والمسرح، واللامعقول في تلك المجالات،  هو ضرب من الأعمال الأدبية والمسرحية يراد منها الدخول في صميم الواقع المعقول من خلال تناول فنتازي لا يبدو للبعض معقولاً، لفتح نوافذ جديدة للفهم لمشكلة واقعية أستعصى فهمها.

 

ويحاول علماء السياسة وفقهائها، بدورهم أن يجدوا الحلول لمشكلات وأزمات، ولهم أن يبحثوا في الممكن ما هو غير ممكن، فالدبلوماسيون سياسيون محترفون يعهد إليهم ترجمة الإرادات إلى قواعد لها صفة قانونية مقبولة ومحترمة، يغوصون في عمق المشكلة حتى يجدوا في زاوية ما حلاً لأزمة ما، قد تبدو في نظر البعض مستعصية لا أمل في إيجاد حل لها، والدبلوماسي بالمعنى الفني، فنان في ابتكار الحلول، ومن أجل الوصول إلى هدفه قد يبدو غامضاً بعض الشيئ، كما له أن لا يذكر كل الحقائق المتصلة بموقف ما، ولكن ليس للدبلوماسي أن يخدع أو يغش، وأن يعرض مزايا وهمية لسلعة فاسدة من أساسها، ففي ذلك نهاية لمصداقيه بلاده وحرفيته السياسية.

 

اللامعقول في علم سياسة الإمبريالية الجديدة (العولمة) اليوم: هو موقف اللاموقف، ولمن يستعصي عليه فهم ذلك، نقول، عندما يكون من المحال التسليم بالهزيمة، فلا بأس من الوليمة وتوزيع الهدايا والعطايا، والرشا بشراء الذمم وصناعة الأفلام ودس الأقلام في سوق النخاسة / الصحافة، واستغفال من يمكن استغفاله، وتعساً للحقائق الموضوعية، فليسرق من يسرق، ولينهب من ينهب، فهذه من صلب مبادئ الديمقراطية العولمية.

 

السياسة الأمريكية لا تنزع نزوعاً لامعقول(حسب الفهم الفني الأدبي) في سياستها، فتلك أرقى من العولمة المعتمدة على الكروز، والماينز والبلاك ووتر، بل هي تتوسل الخيال المرضي، الأقرب للهلوسة في ابتعادها عن الحلول المعقولة الواقعية لمشكلات سياسية، واللامعقولة في ابتداع حلول فنتازية، والملاحظات التي سنسوقها وإن كانت واقعية لدرجة المرارة، إلا أننا نوردها هنا لنثبت أن السياسة الأمريكية صارت مهلهلة ومثيرة للقرف قبل السخرية، في غياب شبه تام لنواميس وقيم الحياة، أو إن شئت الدقة، ما تبقى منها بعد اندحار مفاهيم الشرعية، وعدالة القوانين، في عصر العولمة الذي هيمنت عليه المصالح الأحادية، وتلاشت فيه شرعية المجتمع الدولي، واستحواذ دول (تتشدق بالديمقراطية)على ما لا يحق لها، تفرض أرائها ونظرياتها السياسية بقوة الأسلحة الماضية، والنفوذ السياسي والاقتصادي، وسياسة الأساطيل البحرية والتفوق العسكري، سياسة متناقضة، تستحق أن يضحك عليها ويسخر منها حتى العاملون في مجالها، وصولاً إلى السذج البلهاء.

 

*صرح السفير الأمريكي في بغداد والمنقول إلى مركز الوزارة في واشنطن، " واهم من يعتقد أن الولايات المتحدة سلمت العراق على طبق من فضة لدولة الملالي الإيرانية الصفوية "، واليوم يدرك أقل الناس ذكاء، بأن ما جرى إنما هو تنفيذ لتخطيط أستغرق وضعه سنوات طويلة جداً، ابتدأت بإنهاء فني محكم للعهد الشاهنشاهي الإيراني، وبالحرب العراقية / الإيرانية، في إطار خطة لتفكيك الشرق المشرق العربي، وإلا كيف دخلت القطعان الصفوية إلى العراق وهي تحت الاحتلال الأمريكي..؟ ويتربع قائد فيلق غدر على بعد أمتار من السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء ..! السفير يريد أن يوهم نفسه، بأنه يوهم الناس .. متناسياً حكمة أبراهام لينكولن:

                             

يمكنك أن توهم بعض الناس لبعض الوقت

يمكنك أن توهم كل الناس لبعض الوقت

أما أن توهم كل الناس لكل الوقت

فهذا هو المستحيل

 

*صرح الجنرال ماك كريستال المقال من مهامه في أفغانستان ساخراً، وتلك حالة لا تحدث إلا نادراً أن يسخر ويستهين ضابط بالقائد العام للقوات المسسلحة (رئيس الولايات المتحدة) " أن الولايات المتحدة قد قررت الانسحاب (الهرب) من أفغانستان، فلماذا إذن إرسال مزيد من الجنود لمعركة خاسرة سلفاً " إشارة إلى خرق قاعدة تكتيكية / استراتيجية عسكرية ذهبية.

 

*صرح الرئيس الأمريكي تحت ضغط الرأي العام الدولي أنه " يأمل بتحقيق نزيه وشفاف لأحداث أسطول الحرية ". والرئيس الأمريكي يدرك غير ذلك، وأقصى ما يمكنه الإدلاء به حيال مسألة أحدثت ردود فعل كبيرة في العالم وفي ضمائر الناس، هي كلمات مطاطية لا تعبير مادي لها، فهو واقع تحت ضغط متعدد الأطراف يسلب منه حرية القرار المنطقي المعقول، فلجأ إلى فنتازيا اللامعقول واللعب على الألفاظ.

 

*صرح نائب الرئيس الأمريكي بإيدن متبجحاً عند وصوله بغداد قادماً كنطاسي لمعالجة دمامل الديمقراطية المهترئة المتقيحة في العراق. " إنها الديمقراطية " ولكن لدى مغادرته كان الفشل يسيل من جوانب شدقيه، عندما أخفق بدفع " هذه الفئات الهشة " حسب تعبير الصحفي البريطاني باتريك سيل، بتشكيل الحكومة. بعد مضي أربعة أشهر في أزمة سياسية طويلة، كما صرح نائب الرئيس الأمريكي بايدن، بأن حكومة بلاده، " سوف لن تتدخل في الشأن العراقي، وأن تشكيل حكومة عراقية هي قضية عراقية محضة ". وبايدن بتصريحه هذا يدخل السياسة بالسوريالية، ويرسم أشكال غير مفهومة لواقع مؤلم حتى النخاع، لبلد جرى تحطيمه بطريقة منظمة ومخطط لها، على خلاف ما يدعون من أخطاء قد حدثت في خضم التنفيذ، لا ... ليس هناك أخطاء عفوية، بل هو الخطأ الأعظم في تدمير بلد كان درة المنطقة ونقطة إشعاعها، وبيضة القبان والأمن والسلام فيها، بل في الواقع الذي نجم عنه هو لا معقول بدرجة خيالية، فكان لابد من التعبير عنه باللجوء إلى التعابير السوريالية لكي تضيع أطراف الحفلة العراقية عن أذهان الناس.

 

*ما فتئ الأمريكان يحاولون تهدأة هواجس البعض، وطمأنة ذلك البعض من حلفائهم، أنهم بصدد الانسحاب من العراق، ولكن الحكمة العراقية البابلية المعروفة: " العين ترى والأذن تسمع " على بساطتها، تدحض مزاعم الأمريكيين، فأي ساذج سيتوجه بالسؤال لمن يعنيه الأمر: لماذا إذن تشيدون القواعد العسكرية العملاقة التي تتسع لما يزيد على 50 ألف عسكري ؟، ولماذا الاتفاقية الأمنية ..؟ ولماذا البنود السرية فيها ...؟ بل لماذا شيد الأمريكان أضخم سفارة (104 فدان تتسع ل1500 دبلوماسي) لهم في العالم على ضفاف دجلة ببغداد ..؟

 

*بحسب المعاهدة الأمنية المعقودة بين الحكومة الأمريكية وحكومة المنطقة الخضراء وملحقاتها، فان الانسحاب الأمريكي من العراق لا يعني نهاية للوجود العسكري المباشر في العراق، فأقل التقديرات تشير إلى بقاء 50 ـ 60 ألف جندي، كما أنهم سيتولون مراقبة(حماية) الأجواء العراقية وتدريب عناصر عراقية على الأسلحة الأمريكية، ناهيك عن الأنشطة الاستخبارية والفنية وهي بعهدة الجانب الأمريكي، وأنشطة شركات الحماية الخاصة بعقود معلنة وغير معلنة، هذا عدا نشاط لخلايا مخابراتية جرى تكوينها بدأب على امتداد سنوات الاحتلال، تعمل لصالح الأمريكيين في كافة مرافق (الدولة)جهاز مخابراتي مدني متغلغل في كل المفاصل الحساسة بالدولة بصفة خبراء ومستشارين وشركات استثمار خاصة، ووجود سفارة هي قاعدة عمل ضخمة متعددة الاتجاهات، وتشمل الشبكة الأمريكية أيضاً، قنصليات أمريكية تنتشر في كافة أرجاء العراق، مع عناصر حمايتهم، وينقنقون بعد هذا بلا حياء عن الديمقراطية وعن دولة مستقلة..!

 

*تصر الولايات المتحدة وتدفع بأتجاه إبقاء العراق تحت سيف البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يتعامل مع العراق كدولة غير كاملة السيادة، تحت الوصاية، تحت الحماية، يسهل التدخل في شؤونه الداخلية ... وأي شؤون ..! وسيبقى العراق رهين إرادة أوساط القرار الأمريكية بصفة شبه كاملة، وما دام الحكم الطائفي وميليشياته يتعامل مع نفسه بأنه عبارة عن شركة من مجموعة مكونات لها نسب ثابتة واسهم محددة الأرباح في الحكم وفي الموارد، وما دام مطلق الصافرة وحكم اللعبة هو المندوب السامي الأمريكي، المحتل الأمريكي نفسه، وماذا تفعل هذه الإمعات غير أن تمعمع ... !

 

*الإيرانيون ماضون في برنامجهم النووي بمباركة الأمريكيين والغرب، والعالم يشهد مسرحية ساخرة لمنع إيران من صناعة السلاح النووي، ويبدو الأمر وكأنه يحتاج لمعجزة، والحق أن الأمريكان بحاجة ماسة لمشاركة إيرانية في المسرحية الفكاهية، حيال جدار صواريخ أمريكي مقابل روسيا، والذريعة المضحكة هي: حماية أوربا من الصواريخ الإيرانية وأسلحتها الفتاكة، هو أمر يضحك أكثر الأوربيين رزانة، ولكنها ذريعة والسلام، هل لاحظتم كم هي ضرورية اللمسات الصفوية في المسرحيات الأمريكية..؟

 

*لا يكف الأمريكان عن ترديد حكمة بلهاء أنهم أقاموا نظاماً ديمقراطياً في العراق، وهي حسنة الحرب الوحيدة، ترى كم كانت تكاليف هذه الديمقراطية المزعومة ..؟ من قتلى الأمريكان وجرحاهم ومعوقيهم ومن انهيار مالي غير مسبوق في التاريخ الأمريكي ..؟ ويتسائل الكاتب المعروف باتريك سيل:  ما هو الثمن الفعلي الذي ترتب على مسددي الضرائب الأمير كيين دفعه جراء الحرب ..؟ ما هي الحصيلة الحقيقية للقتلى والجرحى من الأمير كيين ومن حلفائهم ومن العراقيين أيضاً..؟ ما هي التقديرات المتعلقة بالأضرار المادية ؟ من الذي يجب أن يتحمل مسؤولية تدمير بلد عربي أساسي ...؟

 

*في أحدث تصريح لموظفة عالية في حكومة الميليشيات الطائفية الديمقراطية تواجه حوالي مليون أرملة وأربعة ملايين يتيم أوضاعا صعبة اقتصاديا واجتماعيا في العراق حيث تخصص الحكومة رواتب متدنية جدا لا تكفي لإعالتهن، ما يدفع بعضهن إلى دورات تأهيل تتولاها منظمات أهلية للحصول على عمل. وتقول السيدة جابو مستشارة رئيس الجمهورية لشؤون المرأة إن الجهاز المركزي للإحصاء يؤكد وجود حوالي مليون أرملة وأربعة ملايين يتيم، ومشكلة الأرامل حلقة أساسية ضمن مصاعب اجتماعية تنامت في المجتمع بسبب الحروب وما تلاها من ظروف اقتصادية. وأن الأرملة بعد خسارة معيلها تضطر إلى اللجوء لعائلتها التي تعاني هي الأخرى من عوز مالي ما يؤدي إلى ازدياد العنف ضدها أو قيامها بإرسال أطفالها إلى العمل بدلا من المدارس، أو قد تلجأ إلى بيع نفسها والتحول إلى عاهرة "، هذه ديمقراطية صفوية / عولمية ..!

 

*هجر قسراً تحت التهديد بالقتل ما يقارب أربعة ملايين مدني عراقي داخل وخارج العراق في الأردن وسوريا ولبنان وتركيا. ففي سوريا وحدها هناك مليون وأربعمائة ألف مهجر ليس للمفوضية العليا ولا حكومة وكلاء المحتل أي جهد وأية رغبة لأعادتهم للعراق ؟ وبحسب نفس المفوضية فان عدد العراقيين الذين تقدموا بطلبات تسميها  (بالتوطين) قد بلغ زهاء أربعة عشر ألف طلب. فيما منحت الجنسية العراقية لأعداد لا يمكن حصرها حلوا في بلاد الرافدين..!  إذن فهي مؤامرة واضحة المعالم والأبعاد ..!

 

*عن وكالة الأنباء الألمانية: وصفت منظمات دولية تابعة للأمم المتحدة حالة المجتمع العراقي بعد الاحتلال الأمريكي لهذا البلد. فقد قدرت منظمة الأمم المتحدة لرعاية الأمومة والطفولة "اليونيسيف" عدد الأيتام في العراق بأكثر من 5 ملايين و700 ألف طفل حتى عام 2006. وأكدت دراسة أجرتها الأمم المتحدة ومراكز أبحاث أخرى أن عدد الأرامل في العراق قد بلغ 3 ملايين امرأة. لكن ومن جهة أخرى قال تقرير لمجلس السلم والتضامن أن وزارة الشؤون الاجتماعية العراقية لا تستطيع تحديد عدد الأرامل والأيتام.

 

* يبلغ عدد سكان العراق حوالي 30 مليون نسمة، وبسهولة شديدة يمكن أن ندرك كيف يمكن صيانة حقوق الإنسان، وكيف يمكن تغيير ديموغرافية البلاد، والتهجير المنظم .. هكذا الديمقراطية وإلا فلا ..!

 

*والشيئ بالشيئ يذكر ويستحق التذكير، أن المؤامرة على فلسطين من الغرب والصهيونية العالمية دارت تحت نفس الشعارات والمسميات .. الديمقراطية، وواجهت ذات الصمت المطبق ..!

 

*باتريك سيل الذي أقتبسنا بعض من مقالة نشرت له مؤخراً، وهو كاتب خبير بشؤون المنطقة وشجونها بريطاني ليس عربياً ولا مسلماً، ولكن الصمت صار صعباً، كتب يقول:

 

" ولكن من المؤكد أن المؤرخين سيكتبون في المستقبل إن حساب تدمير 

   العراق هي واحدة من الجرائم العظيمة في مطلع القرن 21 ".

 

من سيحاسب أمريكا على جريمتها .....؟

 

التاريخ، وضمائر الشرفاء في العالم، ودماء الضحايا، سيمهرون أسم الولايات المتحدة مقروناً بالعار إلى الأبد ....

 


هل ترغب في التعليق على الموضوع؟ اضغط هنا

17.07.2010