محكمة التحكيم الدولية
تؤكد وحق تشكيل الحكومة العراقية
د. هدى حمودي
إن من يمتلك حق تفسير نصوص دستور جمهورية
العراق هو ليس مدحت المحمود ولا المحامي طارق حرب ولا أي عضو آخر في حزب الدعوة بل
المحكمة الاتحادية العليا وفق (المادة 93/ ثانيا) و تكوين هذه المحكمة معلق لحين
صدور قانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب استثناء من جميع الهيئات القضائية
(المادة 92/ ثانيا). وهذه المحكمة تحظى باهمية في الدول الاتحادية ذات النظام
البرلماني الديمقراطي كما هو حال الدولة العراقية وفق ما نصت عليه المادة الأولي من
دستورها. لكن هذه المحكمة علي الرغم من ذلك لم يصدر قانون تشكيلها حتي الساعة الأمر
الذي أصبح به تفسير نصوص الدستور تفسيرا ملزما أمرا مستحيلا ً حتي إشعار آخر نظرا
لغياب الجهة التي تملك الاختصاص الدستوري في هذا الخصوص.
وهنا نود ان نعرج على ما اكدته محكمة التحكيم
الدولية بلاهاي على لسان استاذ القانون العام والعضو في المحكمة الاستاذ صفاء الدين
احمد العارف الذي اكد ان أي تفسير
يصدر عن أيما جهة كانت بما في ذلك المحكمة الاتحادية محض وجهة نظر غير ملزمة صادرة
عن جهة غير ذات صفة. وان هذه الحقيقة تفقد القرارات الصادرة علي هذا النحو الحصانات
المقررة لفتاوي القضاء وقراراته وتبيح بالتالي للكافة حق التعقيب عليها والطعن فيها
، كما أنها تغني عن التصدي لمضمون قرار المحكمة الأخير الصادر بتفسير المادة (76)
من الدستور استجابة لطلب رئاسة مجلس الوزراء حول الكتلة النيابية المؤهلة لتشكيل
مجلس الوزراء وتجعل الخوض فيه أمرا عقيماً. بيد أن ذلك لم يمنع البعض من الاستدلال
بذلك القرار في المطارحات ذات العلاقة مما يقتضي التوقف عنده لتفحص قيمته
القانونية. ولعل أول ما يمكن ملاحظته هنا هو أن توجه رئاسة مجلس الوزراء بطلب تحديد
دلالات الدستور من جهة غير مختصة يشكل بحد ذاته افتئاتاً علي الدستور وهدرا لمبدأ
الفصل بين السلطات وتجاوزاً علي السلطة القضائية. وهو إلي جانب ذلك إجراء عبثي
لايسوغ صدوره عن آحاد الناس بله رئاسة مجلس الوزراء لأن مثله في ميزان القانون مثل
فرد يتوجه إلي محكمة الأحوال الشخصية شاكيا قاتل أخيه فكلاهما متوجه لجهة غير مختصة
والقرار الصادر في الحالتين متي صدر ليس قراراً باطلاً فحسب وإنما هو قرار (معدوم)
بحكم القانون. ولكن الأدهي هو إن هذا السقوط في الخطأ الجسيم لم تقترفه رئاسة مجلس
الوزراء وحدها وإنما شاطرتها ذلك السلطة القضائية نفسها فاستحال الأمر علي يديها
إلي خطيئة حين قعدت ولم تنفر للذب عن استقلالها بل أذعنت بإجابة طلب هي ادري الناس
بما ينطوي عليه من تحقير للدستور وامتهان لكرامة القضاء. ولقد زاد الطين بله انحياز
السلطة التشريعية للحكومة حيث تبنت أكثر من مرة قرارات صادرة علي هذا المنوال.
وهكذا تضافرت السلطات الثلاث علي وأد الدستور في توافق ربما لم يعرف له مثيل مذ
عرفت الدولة الحديثة مبدأ الفصل بين السلطات. ولعل هذا إن دل علي شيء فإنما يدل
أولا علي طبيعة العملية السياسية التي تسود العراق اليوم. واللافت إن صوتا لم يرتفع
في هذا الصدد معترضاً أو محتجاً أو منكراً أو مندداً بل انفلت من يزعم إن ماحصل شكل
(عرفا دستورياً!)، وما هو في حقيقته سوي لغو واستخفاف بالدستور في أحسن أحواله ذلك
لأن هذا (العرف!) علي فرض تحققه وهو لم يتحقق هو عرف فاسد لا يجوز التسليم به أو
البناء عليه لتأسيسه علي سوابق خرق الدستور كما انه يعوزه عنصر الزمان ليشكل عرفاً
ـ علي فرض صحة سوابقه ـ وهي ليست كذلك فهل سمع احد من قبل إن تكرار خرق الدستور
يشكل عرفاً يقوم بجانب نصوص دستورية نافذة تناقضه؟ وكيف يحصل كل هذا في كنف دستور
يحظر إنشاء محاكم خاصة أو استثنائية (مادة 95 من الدستور) ثم تتوافق السلطات الثلاث
العاملة في ظله بالترخيص لجهة غير مختصة بتفسير نصوص الدستور؟ أو ليست القرارات
الصادرة عن جهة غير مختصة ابعد خطراً واظهر في الخروج عن حكم القانون من قرارات
تصدر عن قضاء خاص أو استثنائي؟ ثم أليس تصدي المحكمة للبت في قضية ليست من اختصاصها
يهوي بها إلي درك أدني من القضاء الاستثنائي والخاص؟ واخيراً أليس أمرا عجباً أن
يحصل كل ذلك في الوطن الذي أزاح ليل الإنسانية بسراج حضارته وسمقت اولي شرائع
الإنسان علي أديمه؟
نصوص دستور جمهورية العراق حول تشكيل مجلس
الوزراء: تناول الدستور موضوع تشكيل مجلس الوزراء في المادة (76) منه ونصت فقرتها
الأولي علي التالي: (يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا بتشكيل
مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوماً من انتخاب رئيس الجمهورية). ويعالج هذا النص
مسألتين رئيسيتين:
المسألة الأولي: تخص الجهة المخولة دستوريا
بتنفيذ نص المادة (76) والاضطلاع بمهمة التكليف ولا خلاف ان هذه الجهة هي (رئيس
الجمهورية) الذي ينتخبه المجلس الجديد وان التكليف ينبغي أن يحصل خلال الخمسة عشر
يوماً التالية لانتخابه طبقا للنص. وبتفحص نصوص الفقرات (أولا وثانيا وخامسا) من
نفس المادة يتأكد انه ليس لرئيس الجمهورية أية سلطة تقديرية في اختيار من يوكل إليه
أمر التشكيل إذ وردت الفقرة (أولا) بصيغة (آمرة) توجب عليه أن (يكلف مرشح الكتله
النيابية الأكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء) كما أكدت ذلك دلالات الفقرتين (ثانيا
وخامسا) من نفس المادة. وورود النص بصيغة آمرة وليس مرخصة أو تخييريه يضع رئيس
الجمهورية تحت التزام دستوري في أن يكلف ابتداء ـ مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا
بالتشكيل دون سواه وهو ما يعرض رئيس الجمهورية للمساءلة في حال جنوحه عن ذلك
بمزاولة أية سلطة تقديرية طبقا للفقرة الثانية من المادة (61) من الدستور والعبارة
الأخيرة من المادة (50) بدلالة الفقرة الأولي من المادة (61) منه.
أما المسألة الثانية: التي شجر الخلاف حولها
وما يزال فهي تحديد المقصود بتعبير(الكتلة النيابية) الوارد في المادة (76) المشار
إليها. وقد احتدم الجدل حول ذلك واتسم بالتوتر حين ذهب فريق إلي تقرير أن (الكتلة
النيابية الأكثر عددا) انما هي الكتلة الفائزة بأكبر عدد من المقاعد النيابية في
الانتخابات بينما اتجه الفريق الآخر إلي القول بأن هذه الكتلة انما هي الكتلة التي
ستنبثق عن توافق أو تحالف أو اندماج... الخ عدد من الكتل والأعضاء عند التئام شمل
المجلس. والحق أن هذا التوجه الأخير يجانب شاكلة الصواب لجملة أسباب:
أولها: انه مجرد زعم لا ينهض عليه دليل من نص
دستوري أو قانوني أو سواه فهو بمفهوم القانون لغو وادعاء بلا دليل.
والثاني: انه يشكل افتئاتا علي الدستور لأن
الزعم أن المقصود بالكتلة النيابية انما هي تلك المنبثقة عن تالف الكتل اللاحق يوجب
التساؤل عن ماهية الكتلة الفائزة بأكبر عدد من المقاعد النيابية وماذا عسي يمكن أن
تكون وكيف يكون توصيفها؟ وقد رد هذا الفريق علي ذلك بان هذه الكتلة ان هي إلا
الكتلة (الانتخابية) الفائزة وليس الكتلة النيابية المقصودة بالمادة (76) التي
ستنبثق فيما بعد! وجلي أن هذا الزعم هو في أحسن أحواله افتئات علي الدستور بإقحام
مفاهيم ومصطلحات عليه لم ترد في نصوصه بهدف تزييف تلك النصوص وتقويض مدلولاتها
الحقيقية وذلك لان نصوص الدستور تجهل شيئا اسمه (الكتلة الانتخابية) الأكثر عددا في
هذا السياق فضلا عن أن المادة (76) مكرسة برمتها لمعالجة موضوع تشكيل مجلس الوزراء
الذي لايصار إليه إلا بعد إعلان ختام (العملية الانتخابية) وظهور نتائجها والتصديق
عليها.
والثالث: إن هذا التوجه يخالف صراحة حكما
قانونيا نافذا مقررا في المادة (14) من النظام الداخلي لمجلس النواب ونصها (يعد
المرشح المنتخب عضوا في المجلس ويتمتع بجميع حقوق العضوية ابتداء من تاريخ المصادقة
علي نتائج الانتخابات...).
وبالاستناد لهذا النص فانه لايجوز مطلقا الحديث
عن (كتلة انتخابية) ــ علي فرض النص عليها في الدستور والأمر ليس كذلك اعتبارا من
تاريخ المصادقة علي نتائج الانتخابات اذ بهذا التاريخ تنتقل جميع الكتل إلي (كتل
نيابية) فحسب والي هذه الكتل يجب إن ينصرف منطوق المادة (76 من الدستور) وتفهم
الإشارة الواردة فيها إلي (الكتلة النيابية الأكثر عددا) خاصة وان هذه (الكتلة
النيابية) تستوي قانونا حتي قبل قيام رئيس الجمهورية بدعوة المجلس النيابي
للانعقاد. ولا جدال أنه في اللحظة التي تستحيل فيها (الكتل الانتخابية) إلي (كتل
نيابية) كأثر قانوني للنص النافذ المشار إليه، يصبح الحديث عن( كتل انتخابية )
لمرشحين أصبحوا نوابا بقوة القانون مجرد هرطقة في الشرع ودجل في السياسة ولغو في
القانون. وإلا فماذا يسمي هؤلاء الكتلة الفائزة بأكثر المقاعد النيابية في الفترة
الممتدة بين تصديق نتائج الإنتخابات وبين انعقاد المجلس وانبثاق التكتلات الجديدة؟
وهكذا يتضح أن (بدعة) الكتلة الانتخابية في مقابل (الكتلة النيابية)، وكل مايبني
عليها ليس له أية قيمة قانونيةوان كل ما أثير ويثار حول ذلك ليس سوي عبث ينم عن مدي
الاستخفاف بالدستور بحيث يتوهم البعض أن بوسعهم أن يعدلوا أثار أحكامه باتفاقاتهم
الخاصة اللاحقة ومعني ذلك أنهم يخضعون الدستور لإرادتهم الخاصة بدلا من أن يخضعوا
له بتطبيق نصوصه علي الوقائع. ولابد من التأكيد هنا ان الأثر الذي يرتبه حكم أي نص
دستوري ليس بوسع أي تكتل نيابي مهما كبر حجمه أن يغيره بل ليس بوسع المجلس النيابي
برمته ولا الشعب العراقي عن بكرة أبيه أن يغير حكم نص دستوري في واقعة تحققت في ظل
نفاذه لان ذلك النص وحده هو الذي يحكمها وتعديل الدستور حتي لو حصل أصوليا فيما بعد
فإنه لا يسري بأثر رجعي لحكم تلك الواقعة التي رتبت أثارها العملية في حينها وولدت
حقوقا مكتسبة للمخاطبين بها. وتلك هي سطوة أحكام الدستور عند الذين يدركون عمق
أثرها في حياة الشعوب ويولونها الاحترام الواجب. إن المسعي لتعديل أثار أحكام
الدستور باتفاقات خاصة لاحقة ليس عبثا بإحكامه فحسب وإنما هو بجانب ذلك حنث باليمين
الدستورية التي أداها مقارفو ذلك وتحقير لإرادة الشعب تزاوله بعض النخب اثر
انتخابها في فصام عن إرادة ناخبيها ومصلحتهم الحقيقية. ولعله يجمل بهؤلاء أن
يتذكروا انه حتي في نطاق المؤسسات الخاصة التي تقوم بإرادة أفراد بأعيانهم
وبأموالهم كالشركات، فان تعديل أنظمة هذه المؤسسات لايتأتي إلا بعد موافقة السلطة
العامة المختصة فكيف الحال والأمر يتعلق بالدستور، وحكم القواعد العامة قاطع في أنه
(ليس لأحد أن ينشأ دليله بنفسه)، كما أنه (ليس لأحد أن يفصل في قضيته)، وهذا التوجه
يشكل نفيا لكلا القاعتين؟
والرابع: هو إن هذا التوجه ـ بجانب كل ما تقدم
ـ يفضي إلي تعطيل العمل بالمادة (76) التي أوجبت علي رئيس الجمهورية التضطلاع بمهمة
التكليف. ذلك أن مؤسسة (رئاسة الجمهورية) في النظام البرلماني الديمقراطي تختلف عن
سائر مؤسسات السلطات الأخري، بحقيقة أنها مؤسسة (تشخص) في فرد، في حين أن سواها
تتولاها هيئات تمثيل جماعي، الأمر الذي يتعين معه علي رئيس الجمهورية الخضوع لنظام
المؤسسة وليس العكس. ويترتب علي ذلك أن رئيس الجمهورية لكي يزاول اختصاصه بالتكليف
،فإن (مؤسسة الرئاسة) نفسها يجب أن تقف ابتداء علي (الكتلة النيابية الأكثر عدادا).
بمعني إن علم رئيس الجمهورية الشخصي لا يغني في الأمر شيئا ولا يرخصه بحد ذاته في
الفصل بهذه القضية. والمؤسسة بوصفها شخصا معنويا لايتحقق علمها إلا بالاطلاع الثابت
بمقتضي مستند رسمي ذي طابع قانوني صادر عن جهة مختصة مفوضة قانونا. ومعلوم أن
المرشحين الفائزين بالانتخابات يصبحون أعضاء في المجلس اعتبارا من تاريخ المصادقة
علي النتائج كما تقدم بيانه. وهذه المصادقة وحدها هي التي تكشف بشكل قانوني عن
الفائزين وعن عدد النواب في كل كتلة ثم الكتلة النيابية الأكثر عددا تبعا لذلك
والتي ينطبق عليها وصف المادة (76) من الدستور. وهذا هو الأثر القانوني المترتب علي
تطبيق المادة (76) علي الواقعة المادية المتمثلة بفوز المرشحين فرادي ،ثم ماينجم
عنه من تحديد الكتلة الأكثر عددا. وتلك هي الوسيلة الوحيدة ذات الطابع الدستوري
الممكنة التي يتحقق بها علم رئاسة الجمهورية بنتيجة الانتخابات. أما ماخلا ذلك من
تحالفات لاحقة فلا يعتد به لعدم تنويه الدستور به وما يدعيه مرشح هذه الكتلة أو تلك
أو يردده الإعلام فلا سبيل لعلم رئاسة الجمهورية به علما رسميا أصوليا يرخصها
باتخاذه سندا للتكليف. وقد يقال هنا إن رئاسة مجلس النواب قد تعمد إلي إجراء حصر
يتكفل بالوقوف علي الكتلة النيابية الأكثر عددا ثم تبلغ رئاسة الجمهورية بذلك. لكن
المجلس النيابي لايلي اختصاصا كهذا طبقا للدستور وإقدامه علي ذلك يعد ـ بالتالي ـ
خروجا عليه، وتخطيا لمبدأ الفصل بين السلطات، وتجاوزا علي سلطات رئيس الجمهورية لان
رئاسة مجلس النواب تكون بذلك قد أحلت نفسها عمليا محله في تقرير الشخص المكلف، كما
ان أعضاء المجلس الموافقين علي ذلك الإجراء يسألون عن الحنث باليمين فضلا عن
مخالفتهم لإحكام المادة (4) من النظام الداخلي للمجلس.
تشكيل مجلس الوزراء
وإزاء تهافت هذه الحجج عمد البعض إلي التساؤل
عن الثمرة العملية لتكليف الكتلة الفائزة بالإنتخابات في حال انبثاق ائتلاف يربو
عدد أعضائه علي عدد أعضائها، فيكون اقدر علي تشكيل مجلس الوزراء. ومع أن ائتلافا أو
توافقا قادرا علي تشكيل مجلس الوزراء بحصوله علي الأغلبية لم يتحقق للآن فانه حتي
في حال تحققه تبقي هذه الأطروحات مجرد مصادرة علي المطلوب ينم عن امتهان الدستور
واطراح أحكامه الواجبة الاحترام في كل الأحوال وكيفما تكون الوقائع والنتائج. فضلا
عن أن واضع الدستور لم يغب عنه احتمال إخفاق مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا في
تشكيل مجلس الوزراء فعالج ذلك في الفقرة (ثالثا) من نفس المادة، حين اوجب علي رئيس
الجمهورية ان يكلف مرشحا جديدا خلال خمسة عشر يوما. ولو كان موضوع التكليف رهنا
بالقدرة علي التشكيل كما يتوهم هؤلاء لأصبح نص الفقرة (ثالثا) المشار إليه لغوا وهو
ماينزه عنه الشارع. وأكثر من ذلك فان مايذهب إليه هؤلاء في هذا الصدد هو في جوهره
تعطيل لإحكام هذه الفقرة، ومناقض للقاعدة العامة التي تقرر أن (إعمال الكلام أولي
من إهماله) وهي قاعدة لايجوز تجاوزها عند التفسير.
وهكذا يتبين جليا أن هذا التوجه مسكون بالوصول
إلي النتائج مهما تكن الوسائل، ولذا فهو لايعبأ. أن يتحقق ذلك ولو بخرق الدستور،
ولا جدال أن الفرق كبير بين إدراك الغايات بإحترام الدستور وبين بلوغها بالقفز من
فوقه. وأخيرا: فلقد كان أول ما استند إليه هؤلاء هو اعتصامهم بقرار المحكمة
الاتحادية حول مدلول المادة (76) من الدستور بكل ما انطوي عليه ذلك القرار من تهافت
في المعني والمبني يجرده من ابسط خصائص الإحكام والفتاوي، وقد سبقت الإشارة إلي
القيمة القانونية لهذا القرار، ولا تتوخي هذه السطور القدح في القضاء، ولكنها تتوجه
بدعوة حارة مخلصة إلي كل الذين يهمهم تاريخ القضاء العراقي ماضيه حاضره، ومستقبله
أن يقفوا بحزم أمام هذا التداعي في وضعه الذي كشفت عنه الوقائع التي واكبت
الانتخابات الأخيرة خاصة. ويجيء في هذا السياق ما نسب اخيرا لرئيس المحكمة
الاتحادية بأنه صرح أن إئتلاف الكتل النيابية أو اتفاقها. يكون بعد انعقاد
المجلس.فاذا صح الأمر وهو ما لا نرجوه ــ فان ذلك فضلا عن كونه مجرد وجهة نظر تعبر
عن رأي صاحبها لأن قرار المحكمة نفسه الصادر في هذا الخصوص لا تتجاوز قيمته
القانونية ذلك كما قدمنا ــ فانه يعد خروجا لافتا علي التقاليد القضائية وعن احكام
الإجراءات الخاصة بطرق إعلان الأحكام والفتاوي والقراراتوطرق تبليغها ونشرها أو
تصحيح ماقد يشوبها من خطأ أو تفسيرها... الخ فتلك أمور لايليها أيما شخص كان وانما
يرسمها القانون وتتولاها الهيئات التي يؤول إليها أمر ذلكوتعلن في المكان والزمان
والشكل المرسوم قانونا. فضلا عن ان مضمون التصريح يناقض حكم الدستور في هذه الجزئية
طبقا لما تقدم تأكيده. ومع ان القضاء العراقي لم ينج قط من مناكفات السلطة
التنفيذية علي طول تاريخ الدولة العراقية فان الدرك الذي تردي فيه الآن لا سابق له
والقضاة قبل سواهم مدعوون اليوم وليس غدا إلي الذب عن استقلالهم وعن كرامتهم أيضا
وإنقاذ الإرث المشرف لأسلافهم.
وعود علي بدء، فان آخر ما أستند إليه هؤلاء
اليوم هو أيضا قرار المحكمة الاتحادية المذكور حيث يتساءلون عن كيفية التوفيق بين
قبول اختصاص المحكمة بتصديق نتائج الانتخابات وبين رفض اختصاصها بصدد تحديد الكتلة
النيابية الواجب تكليفها بتشكيل مجلس الوزراء وكلاهما صادر خلافا لاختصاص المحكمة
الدستوري. ولا جدال أن هذا التساءل حق ولكن للأسف الشديد يراد به باطل. وباطله هو
أن يصبح السكوت علي مخالفة الدستور بصدد تصديق المحكمة الاتحادية علي نتائج
الانتخابات خلافا للدستور، سببا لارتكاب المزيد من الخروقات الدستورية وإقرارها.
أما الحق فيما ذهبوا إليه فيكمن في استفهامهم الإنكاري عن مناسبة القبول تارة
والرفض تارة أخري لقرارات المحكمة الصادرة تجاوزا للدستور في الحالين. وهنا لابد من
التأكيد علي أن حكم القانون قائم في أن ماجاء علي خلاف القياس فلا يقاس عليه وان
الاستثناء لايقاس عليه ولا يتوسع فيه، حتي حين يكون مشروعا ومن باب أولي لايقاس
عليه حين ينطوي علي خرق للدستور. أما فيما وراء القانون، فالسؤال موجه إليهم أيضا
من أبناء الشعب: عم يتساءلون عن (الوثن) الذي أقاموه بأيديهم وثن (المحاصصة) التي
هم عليها متفقون؟ أفلا يعلمون أن من اخص خصائصها أنها تجمع النقيضين صيفا وشتاء علي
سطح واحد، إذا وافق ذلك هوي (الوثن)، ولهذا بورك قرار المحكمة بالتصديق علي نتائج
الانتخابات. أما القرار الصادر بصدد الكتلة النيابية المؤهلة لتشكيل مجلس الوزراء
فقد اغضب (الوثن) ولهذا فهم فيه مختلفون. أما قيل: فخير الكلام: وفيه، (أما الزبد
فيذهب جفاء وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض).