ورطة "حشع" تعري نهجه الانتهازي

ورطة "حشع" تعري نهجه الانتهازي !

 

جمال محمد تقي

ورطة الحزب الشيوعي العراقي هذه الايام لا تشبهها ورطة ، فبعد ان صار الذي صار وكان في مقدمة  المتحمسين للعملية السياسية ، اصبح اليوم منبوذا منها وهو يتوسل شموله برعايتها من دون جدوى لانه قد استنفذ دوره في خدمتها ولم يعد لديه شيء يبيعه لها ،  فكل شيء قد انكشف وبان وتبين ان حشع ليس له اي وزن كان ، لا في ميزان تلك العملية ولا في غيرها !

 

بعد 9 نيسان 2003  كانت قيادات الحزب الشيوعي العراقي "حشع" تظهر بقوة على الفضائيات مدافعة عن موقفها  المتجسد بالمراهنة الكلية على العملية السياسية التي بات واضحا للقاصي والداني ان الامريكان هم من يديرونها بالكمال والتمام ومنذ مؤتمر لندن وصلاح الدين وحتى اليوم ، الذي أتى فيه جو بايدن ليهندس مساراتها القادمة ، مسارات ما بعد الانسحاب الامريكي الثقيل من العراق ،،

 

 مرورا بمجلس الحكم ، وحكومات الاحتلال التي تلته ، وكانت قيادة حشع متحمسة في وصف حالة التعاطي الايجابي مع " عملية تحرير العراق " واصفة الحال : بانه نتيجة طبيعية لالتقاء مصالح الامريكان مع مصالح الشعب العراقي وقواه السياسية ، وكان بعض حديثي العهد بعضوية لجنة الحزب المركزية ، ملكيون اكثر من الملك ، في سياق دفاعهم المتهافت عن وضع كل بيضات الحزب في سلة العملية السياسية القائمة ، وكانوا يسفسطون في تاكيد جدية خطوة استعادة السيادة التي اعلن عنها بعد سفر بريمر وتعيين علاوي رئيسا للوزراء .

 

من الواضح وقتها كان لتعيين سكرتير الحزب حميد مجيد موسى كعضو في مجلس الحكم  بصفته شيعيا ، اعتمادا على نسب المحاصصات المكوناتي الذي اعتمد كنهج امريكي في التعامل مع الحالة العراقية منذ ان اقر الكونغرس 1998 قانون تحرير العراق وحتى الان مرورا باحتلاله واعادة تفصيص كيان الدولة فيه ، اضافة الى تعيين السيد مفيد الجزائري وزيرا للثقافة وتعيين بعض قياداته بوظائف شبه مهمة اخرى ـ نائب لوزير الزراعة ونائب لوزير الخارجية ـ   قد اعطى مفعوله الفعال في شراء ذمة قيادة هذا الحزب الذي لم يبقى لديه شيء يبيعه في سوق المساومات والمتاجرات غير سمعته السابقة والتي نالها "حشع" بتاريخه النضالي السابق وبدماء شهداءه من اجل وطن حر وشعب سعيد ، فقيادة الحزب الحالية تخلت تماما عن قيم ومباديء ومواقف الحزب التي جعلته ينال المكانة المحترمة بين صفوف العراقيين ، بل تخلت حتى عن ذكر اسماء شهداء الحزب كي لا تثير حفيظة قاتليهم كالطالباني والميليشيات الطائفية ، وبعد ان تحالف الحزب مع قائمة علاوي في الانتخابات العامة 2005 حصل حشع على مقعدين في البرلمان ، وتم اشراكه في التشكيل الحكومي الجديد برئاسة   المالكي بعد ان تعسر الامر على الجعفري ، فاعطي الحزب  وزارة العلوم والتكنلوجيا التي رشح لها  عضو مكتبه السياسي السيد رائد فهمي ، واستمر الحزب واعلامه بالدفاع المستميت بل والاعمى في اغلبه عن مجريات الامور وما كان يحصل من تجاوزات لقوات الاحتلال ، والحكومة التي ضرب بها المثل بالفساد والعبث بامن العباد ، حتى ان جاءت الانتخابات الاخيرة التي خسر بها الحزب كل شيء عدا مقراته التي لاتتناسب اعدادها الكثيرة مع حجمه الفعلي في الساحة ـ 17 مقر فقط في بغداد ـ !

 

رغم مرور فترة قصيرة على هذا الافلاس لكن تاثيراته بدت واضحة على تصريحات وخطابات نفس هذه القيادات واعلامها ، فهي اليوم تنتقد وبشدة قانون الانتخابات الساري المفعول والتي سكتت عنه سابقا ، ونجد هنا وهناك اشارات خجولة للتدخل الاجنبي ـ الامريكي الايراني ـ في العملية الانتخابية ومجمل العملية السياسية ، وهي التي كانت تؤكد على انه ليس للمحتلين اي دور في الاقتراع الشعبي الحر ، والثورة البنفسجية التي ستكون مفخرة الديمقراطية في المنطقة ـ كما ورد ذلك في افتتاحيات طريق الشعب ـ  وقيادة الحزب كانت تشيد بمفوضية الانتخابات ونزاهتها ، لكنها اليوم تشكك بها وبميول واتجاهات منتسبيها ، حتى دور الامم المتحدة المساعد في انجاز الاجراءات الفنية للعملية الانتخابية اصبح محط ريبة عندها بعد ان كان هذا الدور عنوان من عناوين ضمانة النزاهة وشفافية العملية وفق المعايير الدولية ، فما الذي تغير في الامر ؟ الم تكن الامور ذاتها وقت انتخابات عام 2005 ، ووقت انتخابات مجالس المحافظات ، ووقت الاستفتاء على الدستور ؟

 

الحقيقة ان قيادة هذا الحزب فقدت حتى القدرة على ضبط النفس من جراء ورطتها ، فهي من جهة شريك في العملية السياسية ومن جهة اخرى ليس لها اي دور يذكر في تلك العملية حتى ولو من باب "حشر مع الناس عيد" !

 

ما ينطبق على بغداد بالنسبة لسلوك هذا الحزب ينطبق تماما على سلوكه في منطقة اقليم كردستان ولا نغالي اذا قلنا بان مواقف هذا الحزب مخزية واكثر فضائحية في الاقليم عنه في بغداد ، بل ان احدى اهم نقاط انحداره الى الحضيض سياسيا وجماهيريا وفكريا هي ذيليته المفرطة وارتزاقه البين على فتات موائد حكومة الاقليم وحزبيها المتسلطين على مجمل الاوضاع فيه ، فهل من المعقول ان لا  نجد نقدا واحدا ولو طفيفا للممارسات الشائنة للحزبين الكرديين الذين يعيثان فسادا في ثروات وحريات ومقدرات ابناء الاقليم ؟ 

 

خلال السبع سنوات الاخيرة لا تجد في صحافة وبيانات وخطابات وتصريحات قيادة هذا الحزب الا فروض الطاعة والاشادة والتملق لحزبي البرزاني والطالباني ، وتجد الصمت المطبق صمت الشياطين عن الادوار الهدامة للبرزاني والطالباني في الاقليم وفي العراق ككل ، حتى في تجربة العمل البرلماني في بغداد والتي كان فيها ممثلي الحزبين سندا للاحزاب الطائفية وقوانينها الممررة ، لا تجد هنك شيء يذكر ، او تشعر بان هناك حزبا شيوعيا يشغل حيزا من الوجود ـ وكأن عبد الموجود غير موجود دائما ـ رغم ان السيد حميد مجيد موسى كان اقل اعضاء البرلمان تغيبا ، انه الحاضر المتغيب عن اداء دور الشيوعي الناقد للحال المائل ، او ليس حال العراق اكثر من مائل ، ام ان للسيد موسى رأي اخر ؟؟

 

فتش عن المصلحة ، ستجدها شاخصة بقطع الاراضي الممنوحة للقيادات الشيوعية المرتشية ، ستجدها بالدور الفارهة الممنوحة لبعضهم ، ستجدها بالرواتب المجزية لهم ، وبالرواتب التقاعدية  الممحنوحة لكل اعضائهم الذين لا يتعدون 2700 عضو بصيغة رواتب تقاعدية تخصم من وزارة شؤون البيشمركة وذلك بحساب جميع هؤلاء الاعضاء كمقاتلين قدامى في صفوفها ، ستجدها ايضا في الوظائف والهبات الممنوحة للنصف الكردي من الحزب ، لان الحزب الشيوعي العراقي عمليا اصبح حزبان شيوعيان احدهما عربيا واخر كرديا تماهيا مع التوجهات الشوفينية للقيادات العشائرية المتحكمة بمصير اقليم كردستان !

 

نذكر هنا مثال جديد وحي ، معظم الاحزاب النزيهة والشخصيات والجمعيات الاهلية في الاقليم وخارج الاقليم ادانت واحتجت وطالبت بالتحقيق في ملابسات جريمة اغتيال الصحفي الكردي الشاب سردشت عثمان ، والذي يهمس القاصي والداني بان لعائلة رئيس الاقليم علاقة وثيقة باعطاء الضوء الاخضر لعملية خطفه واغتياله نتيجة انتقاده اللاذع للعائلة الحاكمة في الاقليم ، الا "حشع"  وطبعا الحزب الشيوعي الكردستاني فقد التزم الاثنان جانب الصمت ، وان توجه احد الاعلاميين بالسؤال لهما عن موقفهما مما يجري فانهما يعطيان تصريحات عامة وعائمة تتهرب من ملامسة حقيقة الموقف ، الادهى من كل هذا ان معظم العناصر الناطقة باسم قيادة "حشع" تتمتع ببلاهة قل نظيرها في كل تاريخ قيادات هذا الحزب ناهيك عن الامية السياسية والفكرية التي تشع من طروحاتهم الساذجة اثناء مقابلاتهم الفضائية وغير الفضائية ، فالمعروف سابقا عن الشيوعيين بانهم من ذوي الوزن الفكري والمنطقي والمعرفي الذي كان يمنحهم قوة جذب ، لكن واقع الحال الذي يمثله حزب حميد موسى يقول غير ذلك تماما ، ويبدو ان حالة الانهيار الشامل للاوضاع الطبيعية في العراق وانتشار الامية فيه قد شملت الشيوعيين اكثر من غيرهم ، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وفقدان البوصلة الاممية واستبدالها بعقيدة التحرير الامريكي للدول المارقة ، وهنا يصح القول في واقع حال هذا الحزب بانه قد اضاع الخيط والعصفور معا فلا بوصلة وطنية ـ التي هي ام البوصلات وام الحماية من الانحراف ـ  ولا بوصلة اممية نزيهة ، انه حزب شيوعي خالي من  الشيوعية !

 

الان يراهن حشع على قيام "جبهة وطنية ـ جديدة ـ  " تخلط الحابل بالنابل وتعسكر كل القوى الداخلة بالعملية السياسية بحجة المخاطر الارهابية واحتمال سقوط المعبد على سدنته ، عسى ان يدخل من شبابيكها الى فردوس السلطة المفقود بعد ان خرج من ابوابها الانتخابية بخفي حنين !

 

انه يفعل الافاعيل من اجل احتفاظ رموزه ببعض الوظائف الشاغرة ، بنفس الوقت الذي يلف ويدور فيه كأبو صابر في دورة الناعور الخائر كي يتجنب البحث في اسباب انحداره وعزوف الناس عنه بل واحتقارهم لمواقفه المذلة التي برهنت على انه لايصلح للبقاء فاياديه ليس بيضاء كما تزعم ابواقه ، لكن سرقاتها ليست بمستوى سرقات اقرانها في العملية السياسية وهذا بحكم واقع الحال وليس بحكم النظافة لان حزبا باع نفسه لامثال طالباني وبرزاني هو اوسخ من الوساخة ذاتها !

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟ اضغط رجاء.

 

09.07.2010