جامعة
الدول العربية ( جدع )*
متى
تخرجُ
من ثيابها المهلهلة
؟
أ.
د.
سيّار الجميل
انعقد
في طرابلس الغرب ، قبل أيام ، مؤتمر قمة عربي من خمس دول فقط ، وضم زعماء كل من
ليبيا ومصر واليمن والعراق وقطر ، وهم أعضاء اللجنة الخماسية المنبثقة عن مؤتمر قمة
سرت السابق ، كي يتمّ تعزيز الأجهزة والهياكل الرئيسية لجامعة الدول العربية ،
وكالعادة صرف الزمن في صناعة كلام ، وإلقاء تصريحات ، وبناء أحلام ، وإصدار قرارات
، وتوزيع أحكام .. وكلها كالعادة تبقى دون تنفيذ ، كما جرت عليه عادة تلك " المؤسسة
" التي نادينا طويلا بإجراء معالجات حقيقية لأوضاعها الصعبة .. وبدل أن نجد بدائل
حقيقية ، فإننا سمعناه كلاما على لسان أمينها العام ، يكاد يكون تكريسا للترهّل
وإضفاء أعباء جديدة ، والتغّني بأحلام لم تتحقق أبدا لمؤسسة ترفل بثياب مهلهلة
!
أنها " مؤسسة " لم تستفد من تجارب أكثر من
خمسة وستين عاما على تأسيسها ، ولم تزل تعيد إنتاج مقولات ، وتلوك عبارات قالها
مؤسسوها الأوائل ، وما حلموا به وتغّنوا من أجله ، ولم يتحقق حتى اليوم ..
إنها تجتر نفسها دوما ، ولكنها اليوم لا تشابه ظروف منتصف القرن العشرين ! إن نظام
القمة العربي لم يعرف حتى اليوم أية أجندة جدولية للانعقاد بين قمة عادية وقمة
تشاورية ! ولم يزل الأمين العام يتغّنى بالأهداف الجديدة التي رسمها المؤتمر الأخير
، كي تعرض على مؤتمر القمة العربي القادم ، فكيف ستتم " إعادة
تشكيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي " وبمستوى رؤساء الحكومات ، وتقديم
مقترحات تعدّها لجان وهيئات متخصصة أخرى ، ولا ادري ما علاقة المجالس الوزارية
العربية بها ؟ كيف ستقوم الجامعة بتعزيز السلام والأمن العربي ، وبأية وسائل وأدوات
؟ كيف سيتمّ إنشاء قوة لحفظ السلام ؟
وأين تعمل ؟ وما صلاحياتها ؟ أتريد هذه " المؤسسة " أن تزداد ترهلا أم أنها تطمع
بمنافع خاصة ؟ كيف سيتم
تضمين تشكيل برلمان عربي دائم ، إذا كان مشروع البرلمان العربي السابق مشروعا فاشلا
، إذ ما الذي قدّمه من خدمات حقيقية لواقعنا العربي ؟ وإذا كان العرب لم يفوا
بالتزاماتهم منذ القمة السابقة بتقديم 500 مليون دولار من اجل الحفاظ على هوية
القدس ، فكيف سيتم إنشاء المساعدات الإنسانية في
حالات الطوارئ ؟ وكيف ستعمل أية هيئة للإغاثة والاستجابة للكوارث والأزمات
الإنسانية ، أو الحروب والصراعات ؟ اذا كان معظم الدوائر المرتبطة بجامعة الدول
العربية ، قد وهن دورها وقّلت أهميتها ، باستحواذ أناس معينين عليها ، فكيف تستطيع
جامعة الدول العربية أن تفكر أيضا بإنشاء المنتديات والجمعيات العربية .. ؟
وكل ذلك تحت عريضة " تعزيز العمل
العربي المشترك " التي سمعنا بها مذ كنّا أطفالا !
واذا
كان المؤتمر قد ناقش مثل هذه " الأمور " التي كان يجب أن تنجز منذ نصف قرن ، فلا
ادري لماذا تمّ اجتماع القمة خلف أبواب مغلقة، لمناقشة مثل هكذا " مشروع " أعده
وزراء خارجيتهم رفقة الأمين العام ومساعده ، ولم يتمخّض إلا عن تقديم وثيقة بشأن تعزيز
منظومة العمل العربي المشترك لمؤتمر القمة العربية الطارئة
!
إنني
واثق تمام الثقة أن بعض الزعماء العرب لم يعد يؤمن بجدوى ما يطرح ويقال ، ولكنه
ملزم بأداء الشعائر القومية احتراما لأرث لم يحترم في اطار هذه " المؤسسة " ولم تقم
بتطويره ، ليس في مبنى عريق يقع في قلب القاهرة ، بل في كل المنظمات الملحقة بها ،
وآخرها ما اسمي بالبرلمان العربي !
أتمنى
من صميم القلب أن يجتمع العرب في قمة دورية كل ستة أشهر ، وفي قمة اقتصادية كل
سنتين ، وأتمنى كأي مواطن عربي أن يتم ترصين الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات
والصراع إزاء إسرائيل . ولكن هل سيتحقق ذلك ؟ كم سمعنا مثل هذا " الكلام " المعسول
دون أي تنفيذ ولا أية إجراءات ! أين الآليات والنظم والخطط لمعرفة ما يمكن تنفيذه
في زمن تتزايد فيه المخاطر يوما بعد آخر ؟ إذا لم نجد أي صيغ عادية من التعاون
والشراكة والثقة بين الدول العربية حتى الآن ، فكيف يتغّنى الأمين العام بإنشاء
اتحاد عربي على غرار الاتحاد الأوروبي ؟ انه حلم الملايين ، ولكنه هنا ، مجرد تسويق
سياسي لبضاعة لا يمكن نقلها عبر الأبواب الموصدة !
إن
هكذا " إستراتيجية " لا تبنى بقمة خماسية تدوم لبضع ساعات قليلة ، كي تجتمع القمة
العادية لتبادل الخطابات من دون الخروج من الثياب المهلهلة وبناء إستراتيجية عربية
حقيقية ، تعالج الأخطاء معالجة حقيقية ، دون أن تستعرض العضلات بعقد " قمم نوعية "
! إنني أقول لملايين العرب ، أن لنا موعدا قادما مع وثيقة ما سمي بـ
“تطوير منظومة العمل العربي المشترك” التي
ستعرض على القمة العربية الاستثنائية في التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل .
لنرى كيف ستنطلق جامعة الدول العربية لتحقيق حلم العرب المنشود الذي نادي به العرب
منذ العام 1909 .
نشرت في البيان
الاماراتية ، 6 يوليو / تموز 2010 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار
الجميل
، www.sayyaraljamil.com
* جدع
هو مختصر جامعة الدول العربية ، ولم يذكر في اصل المقال ، بل اضيف هنا ،
للتعريف بمختصر عربي لهذه " المؤسسة
" !