الاتحاد
العربي واحلام العصافير !
جمال
محمد تقي
كان مسعود
البرزاني " رئيس اقليم كردستان " قد استخدم عبارة احلام العصافير في سياق تهكمه
السلبي على الدعوات القائلة بعودة العراق الموحد والقوي ، واردنا هنا من استخدام
نفس العبارة استثارة نوع من التهكم الايجابي باعتبار ان للموضوع
صلة.
موضوع الوحدة والاتحاد داخل كل قطر عربي وبين الاقطار العربية
مجتمعة ، وبيت القصيد من كل ذلك ، القول بانه لا وجود في شارعنا العربي لمن يأخذ
الصحوة المفتعلة باتجاه اقامة الاتحاد العربي مأخذ الجد ، وما اتخذته القمة
العربية الخماسية التي انعقدت مؤخرا في طرابلس الغرب بحضور قادة كل من مصر واليمن
وقطر وليبيا والعراق تنفيذا لقرارات القمة الكاملة الا دليلا اخر على ان مؤسسة
القمة العربية بكامل طاقمها وبكامل انظمتها غير مؤهلة لمجرد التطلع الى احلام
الوحدة العربية اوالاتحاد العربي ، ناهيك عن اهليتها لوضع اللبنات الاولية لها ،
وذلك لان احلامهم تسير بالاتجاه المعاكس لها ، حتى وان رفعوا يافطاتها ، وحتى وان
تغنوا بها ، فاليافطات تساعدهم احيانا على ذر الرماد في العيون ، والتغني يساعدهم
على التنفيس ، انهم وفي قرارة انفسهم يقرون بان حلم الاتحاد العربي انما هو مجرد
وهم لا تصدقه ربما حتى العصافير !
مجريات القمة العربية المصغرة التي عقدت في طرابلس الغرب
برعاية الرئيس الليبي معمر القذافي الرئيس الحالي للقمة العربية ، والمناط بها
مناقشة مشروع الاتحاد العربي المقدم من جمهورية اليمن وليبيا الى جانب مشروع اصلاح
عمل الجامعة العربية المقدم من الامانة العامة ، اكدت ان الانظمة العربية
ومؤسساتها القائمة مبدعة في طرق الالتفاف على احلام شعوبها وعلى اي استحقاق يطالبها
بتطويع سلطاتها لما يخدم المصالح الحيوية البعيدة والقريبة لدولها مجتمعة
!
سأزيد
التهكم تهكما عندما اقول فات الاخ القائد معمر القذافي ان يضمن المشروع اليمني
الليبي ما يجعله اكثر واقعية واعتدالا سياسيا بالنسبة للمتشبثين بالواقع الاعتدالي
من مومياءات القيادات العربية ، وذلك بوضع المقبلات قبل الوجبات ، واقصد تحديدا
اقتراح ضم اسرائيل الى جامعة الدول العربية ومن ثم البحث معها في اسس تحولها الى
اتحاد "عربي عبري" على اعتبار ان الاثنين اولاد عم ، وعلى اعتبار أخر معاصر مفاده
ان علاقات بعض الانظمة العربية مع النظام العبري هي اقوى بكثير من علاقاتها
البينية مع البعض الاخر من الانظمة العربية ، او يقدم المقترح بصيغة مبادرة عربية
باتجاه الدولة العبرية التي يشكل وجودها المنعزل حالة انقسام للجغرافية والسياسة
العربية ، فالدولة العبرية اشبه ما تكون بجدار فصل قسري بين الجناحين الشرقي
والغربي ، ومفرق لجمعتهم المنشودة ، حتى لا توصم مبادرة السلام العربية باليتم
!
المفارقة
ان يكون قرين صاحب نظرية "احلام العصافير" جلال الطالباني صاحب صفة رئيس العراق
وقريبه هوشيار زيباري وزير خارجية جمهورية الطالباني ، هما من مثلا العراق في هذه
القمة الخماسية ، فهذا الرئيس ووزير خارجيته ومعهما صاحب نظرية احلام العصافير "
مسعود البرزاني رئيس اقليم كردستان " هم من اشد المعارضين لاعتبار العراق دولة
عربية ، ولاعتباره جزءا لا يتجزأ من التكوين التاريخي والحضاري والجغرافي للامة
العربية ذات الخاصية غير الرسية ، اي الثقافية بتكوينها العربي الاسلامي المنوع ،
والتي تُخلق من اصحاب الديانات الاخرى من ذوي الاصول الشرق اوسطية القديمة ، عربا
مستعربة ، ومن ذوي الرسيات الاخرى من المسلمين عربا بالانتساب ، وهكذا مع احتفاظ كل
منهم بخصائصه الموروثة ، حتى اليهود غير الاوروبيون هم جزءا من هذا التخلق ، المهم
ان قمة خماسية يكون احد اركانها رئيس مثل جلال الطالباني لا يدخر جهدا لتقسيم
العراق اثنيا وطائفيا لا تحمل قراراتها على محمل الجد !
ترقيعات
الشقيقة الكبرى ، مصر ، الداعية للاكثار من عقد القمم ـ كل سنة قمتين ـ وتغيير
تسمية لجان الجامعة المتخصصة الى مفوضيات ، واضافة اسم اتحاد الى جامعة الدول
العربية ، لا تستر عورات انخفاض مستويات العمل العربي المشترك الى ادنى مستوياته ،
وبطبيعة الحال لا تستر تهتكات الدور المصري الذي ومنذ اتفاقيات كامب ديفيد اخذ
بالانحسار والتقوقع والانقراض لحساب الدور الاسرائيلي من منابع النيل وحتى غزة
!
ما دام
الحديث قد اخذنا الى محامل الجد والهزل ، فان الجد كل الجد سيكون ابعد مايكون عن
الذي تقرر في القمة الخماسية ، والعرب قد قالتها قديما ، من جد وجد ومن زرع حصد ،
فمن منهم قد جد في زرع مشاريع التكامل الاقتصادي ؟ ومن منهم جد في رسم استراتيجيات
الامن الجماعي العربي ـ غذائيا ودوائيا ونوويا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا ؟ من منهم
جد في تأهيل بلاده لتكون مستقلة من التبعية للحيتان الكبيرة دوليا ؟ من منهم جد في
ان تكون بلاده بلاد مؤسسات وقوانين وليست انظمة مملوكة لاشخاص ؟ من منهم جد في
الاستثمار بالمستقبل الكامن بالانسان بالمواطن ذا الارادة الحرة ؟
لا احد ،
لا احد من اصحاب القمم ، وان حاول احدهم الخروج على هذه القاعدة ، تحالفوا ضده ،
والنتيجة ، انهم لم يزرعوا الا الشوك ، الذي يدمي الايادي والاقدام والارواح
.
jamal95@comhem.se