مذكرات مترجم : ( الحلقة
التاسعة) .
تجربتي مع طالبي اللجوء
والمقيمين العراقيين و العرب في مملكة السويد
.
حبيب محمد تقي
(الأسباب والبواعث التي ساقت البعض ، من أبناء الجالية العربية ،
الى سجون المملكة السويدية )
:
للأجرام وبكل أشكاله وألوانه و أوزانه وأحجامه
، والذي تتصدى له القوانين ، الرادعة ، المدنية ، والوضعية ، والمعمول بها ، في
غالبية دول العالم ، بما فيها المملكة السويدية ، أسباب وبواعث محركة ، تدفع الجاني
هذا أو ذاك الى الأقدام عليه وأرتكابه ، سواء بأرادة كاملة منه أو تحت تأثير ظروف
ضاغطة تدفعه وبقوة للأنسياق وراءه . وتلك البواعث والأسباب الضاغطة و الدافعة ،
لأرتكاب الجرم هذا أو ذاك ، تتفاوت وتختلف بأختلاف و تنوع مرتكبي الجرم أنفسهم .
وبعض من هذه الأسباب المحفزة لسلوك الجرم ، مردها ، عوامل أجتماعية بحتة ، تتصل
بالفقر المادي والروحي والموروث الثقافي والتربوي والنفسي للجاني . ومنها مرده الى
عوامل وأسباب سياسية . فالتناقضات التي تحدث داخل المجتمع ، وأي مجتمع كان ،
أقطاعياً كان ، أو رأسمالياً خالصاً ، أو البين بين ، سواء كان هذا المجتمع ، هجيني
مزدوج ، بين الأقطاعية والرأسمالية ، أو الرأسمالية والأشتراكية . ففي خضم تناقضات
التطور، في تلك المجتمعات ، تقود و تفضي ، الى أشكال من الصراعات صعودا ونزولاً ،
فتتجسد الجريمة فيها ، كتعبيرا عن ردت فعل لجانب ، من جوانب هذا الصراع الناشئ ،
كحتمية قدرية ، بسبب من سنن وأفرازات هذا التطور ، المدفوع الثمن وللأسف، ( بعرق
وبدم الضحايا من بني البشر ) . فالأجرام ، أياً كان ، لايتصل بأي حال من الأحوال
بعوامل الوراثة الجينية ، كما يزعم البعض من المتعنصرين ومنظريهم . فالجرم لايولد
مع ولادة الأنسان ، بل هو جنوح ومسلك أجتماعي منحرف و مكتسب ، وهو أيضاً قابل
للعدوى ، لذا ينبغي التصدي له ، والتعامل معه كحالة مرضية سرطانية أجتماعية قابلة
للتعاطي معها وعلاجها ، على مراحل . لذلك وجدت السجون ، لتكون جزء من هذا العلاج .
وهذا الجزء من العلاج ليس ذي قيمة وفاعلية ، إذ بقيت السجون ، مجرد أماكن لحجر
الحرية الشخصية للجنات . ولتفعيل دور تلك السجون الحيوي في معالجة الجريمة ، يتطلب
الأمر ، أن تلعب تلك السجون دور أصلاح الجاني وأعادة تأهيله الى مجتمعه ، و بممارسة
حياته الطبيعية والسوية فيه .
وبناءا على هذا الأدراك ، و الفهم الصحيحين ،
والمطلوبيين ، للدور الحيوي والمهم للسجون ، في معالجة ظاهرة الجريمة المتنامية
والحد منها قدر المستطاع ، شيد ساسة المملكة الغيورون سجونهم ، و وضعوا نصب أعينهم
، تلك الأهداف والمقاصد ، السامية والنبيلة المشار إليها أعلاه ، قولاً وأفعال .
على النقيض تماماً ، من ما جرى ويجري في السجون المخزية لساستنا العرب ، والدور
الدوني الذي تضطلع به . في حجر الحريات ليس إلا ، دون أدنى أكتراث أو مراعات ،
لأفكار وتطبيقات أعادة التأهيل والأصلاح المطلوبين أنسانيا ، وليس أعلامياً زائفاً،
لهذه الشريحة ، وهذه الشريحة الضحية لأقدارها والمنحرفة أجتماعياً
بالتحديد .
وبالأستنادا الى أحتكاكي ، بهذه الشريحة من
سجناء الجالية العربية ، في سجون المملكة ، والأطلاع على تفاصيل دقيقة ، تخص سلوكهم
الذي ساقهم الى أرتكاب الجرم ، وبالرجوع الى تعاملي مع الشرائح الأوسع خارج نطاق ،
أسوار تلك السجون من أبناء نفس الجالية . وأطلاعي على ظروفها ، الخاصة والعامة و
طرق وأساليب حياتها ومناحي تفكيرها ورؤاها . أستناداً الى كل هذه المعطيات ، الملم
بها عن خبرة عملية وميدانية مع أبناء جلدتي على أختلافهم وتنوعهم . وجدت أن أسباب
وبواعث مسلكياتهم المنحرفة ، والتي ساقتهم سوقاً الى زنزانات الأصلاحية ، هي ذاتها
التي أوضحتها في مقدمة هذه الحلقة من مذكراتي . دوافعها ومحركها ، تصادم أجتماعي
مئة بالمئة ، ناتجة عن خلل ، أفقدهم التوازن ، وأطاح بهم . والخلل هذا ، يكمن في
أوضاعهم المادية ، والروحية ، والثقافية ، والتربوية . وبسبب من قصور هذه الشريحة
وعجزها عن أنتاج وأبتداع مسالك راكزة وسديدة توجه بوصلة حياتها ، وتمضي بها ، وهية
متصالحة مع النفس ومع الأخرين ، بغية الوصل الى بر الأمان ، وبأقل الخسائر الممكنة
، في رحلة العمر الحلوة والمرة و القصيرة على وجه الأرض . وأضيف على ما ذكر ، من
أسباب ، قادة هذه الشريحة الى السقوط في براثن الأنحراف ، أنها هاجرت الى المملكة ،
وهي تتسلح باليسير القليل ، من زاد الثقافة والعلم والمعرفة بديناها ودنياها القليل
القليل القليل . وللأسف هم نفسهم ( أي تلك الشريحة من أبناء جلدتي ) ، التي تلعن
ليل نهار عتمة المهجر ، بدل من أضائت شمعة فيه .
للموضوع تتمة لاحقة في الحلقة العاشرة من سلسلة
هذه المذكرات .
١ / ٧ / ٢٠١٠
لقراءة
الاعداد السابقة
هل
ترغب في التعليق
على الموضوع؟
اضغط رجاء.