بملعب من
الكرة؟
جمال محمد تقي
اسرائيل وطيلة مباريات الصراع تسجل الاهداف تلو
الاهداف ثم ترمي الكرة ثانية الى ملعب الاخرين وعندما يستلمها الاخرون ـ سلطة
فلسطينية وانظمة عربية ـ فانهم يحيرون بها، أما يرفعوها ـ اوفر ـ لتحط رحالها خارج
ميدان اللعب فتعاد كرة الكُرة ثانية لاقدام الاسرائيليين او يرجعوها لحارس المرمى
الذي لم يستطع صد اي كرة قوية طيلة الوقت حتى سكنته حالة من الخوف والتردد واللا
ابالية، ومما زاد الطين بلة تسجيله بالخطأ هدفا على نفسه حتى وصل به الحال للتصرف
على اساس ـ مش فارقة معو ـ انه كغيره من لاعبي الفريق مستسلم للهزيمة وهو يدرك ان
لاعبي الفريق المقابل سيسجلون اهدافا جديدة عندما يتمكنون من رميته لاسيما وان خطوط
دفاعه هشة وخط وسطه غير منظم اما خط الهجوم المشتت فهو متراجع دوما بذريعة اسناده
لخط الدفاع وهذا ما جعل منطقة الهدف تغص بالكثرة العددية غير المفيدة لانها على
كثرتها لا تستطيع مجاراة اي هجمة من هجمات الخصم التي تمتاز بالتنظيم والحنكة
والمهارة واللعب الجماعي الذي يستغل اي ثغرة في الفريق المقابل، ويبدو ان حارس مرمى
الفريق العربي قد حسم امره وقرر مع نفسه تضييع الوقت ورمي الكرات بعيدا ولا على
التعيين املا بان يتعب مهاجمو الفريق الخصم، المصيبة الكبرى ان الحكم الدولي
للمباراة متحيز للفريق الاسرائيلي بمناسبة ودونها على الرغم من تفوق الاخير
وتجاوزاته الصارخة، والانكى من ذلك كله ان الفريق العربي لا يجروء حتى على مجرد
الاعتراض لدى الحكم على قراراته المجحفة ناهيك عن فكرة الانسحاب من المباراة
الرسمية وجعل الصراع على شكل مباريات شعبية لا تخضع لقوانين حاكم او محكوم او حكم،
وهذه الحالة تتكرر في كل مباريات الصراع الدائرة بين الفريقين وخاصة تلك المسجلة
منها رسميا والتي تعتمد نتائجها في كل الحسابات الجارية للفيفا و ال F N
ومن لف لفها!
اسرائيل توجه انذارا لا يقبل النقاش للسلطة
الفلسطينية يقول : اذا جرى تسمية احد ميادين رام الله باسم دلال المغربي فان
اسرائيل ستدمر الميدان وبدون انذار مسبق او استاذان من احد! في نفس الوقت الذي تقرر
فيه وعلى عينك يا تاجر بناء 1600 وحدة سكنية جديدة في القدس الشرقية وفي نفس الوقت
الذي يتراجع فيه عباس رئيس السلطة الفلسطينية عن موقف كان قد اعلنه كالتزام على
نفسه يقول لا عودة للمفاوضات مع اسرائيل دون ايقافها لكل اشكال النشاط الاستيطاني
الجديد في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، وصار الجميع مرة اخرى يتحدثون عن
المفاوضات وكانها هدف بحد ذاتها، او وكانها ستحدث لاول مرة متناسين انها كانت قد
ابتدأت منذ اكثر من 18 عاما اي منذ اتفاقات اوسلو سيئة الصيت، ولم ينتج عنها شيء
يذكر بل بالعكس نتج عنها حرق متعمد لاوراق ضغط فلسطينية حقيقية ومهمة!
لقد استدرجت منظمة التحرير بكامل جهوزيتها الى
غزة واريحا ثم رام الله، واعلنت اسرائيل الاقامة الجبرية عليها مقابل ان تدير
بالنيابة عنها ما لا يلزم اسرائيل وهو في الغالب ثانوي جدا ومن السهولة استرجاعه
اسرائيليا، فاسرائيل بامكانها وببساطة جدا ان تتراجع عمليا لمواقع ما قبل اوسلو لكن
اصبح من الصعوبة على منظمة التحرير وفتح القيام بالمثل، واصبحت حتى فتح نفسها اسيرة
لدى اسرائيل وهذا ما كان جليا في شكل ومضمون مؤتمرها الحركي الاخير الذي عقد في
اراضي الاسر الفلسطينية، عباس وفياض ودحلان وغيرهم من رموز السلطة اصبحوا عمليا
يقودون اجهزة امنية وادارية متصاهرة مع الاجهزة الاسرائيلية وتحديدا تلك المتخصصة
بملاحقة المتمردين على الواقع القائم لتكريس وحدانية تمثيل السلطة امام اسرائيل
وحتى امام الشعب الفلسطيني نفسه الذي لا يتردد بالتعبير عن خيبة امله بكل الذي جرى
منذ اوسلو مرورا باغتيال عرفات وقمع الانتفاضة الفلسطينية وبناء الجدار العازل وحرب
تدمير غزة وحتى الان، السلطة الفلسطينية عمليا عبارة عن ادارة مدنية وامنية لبعض
مدن الضفة المقطعة الاوصال وبعضا من التجمعات السكانية الفلسطينية بشروط وحدود
وقيود تجعل السلطة قرينة بتشكيلات روابط القرى والبلديات التي كانت تدير شؤون
فلسطينيي الضفة بوجود الاحتلال وتحت رحمته العسكرية والاقتصادية والسياسية قبل
اتفاقيات اوسلو، وبطبيعة الحال لعبت الانظمة العربية المتخادمة مع النظام الصهيوني
والسائرة بفلك من يقف معه بالسراء والضراء، امريكا والتحالف الغربي الذي يعتبر
اسرائيل جزءا منه، دورا لا يستهان به في ترويض حركة التحرر الوطني الفلسطيني وتشويه
مسارها وشقها ومن ثم جرها لنفس مستنقعها مستنقع التخادم مع الكيان الصهيوني والسير
بالفلك الامريكي الذي يعمل على تصفية القضية الفلسطينية بحرمانها حتى من حقها في
استثمار قرارات الشرعية الدولية لمصلحة حلها على اسس الحد الادنى المعقول
والمقبول!
استرجاع كامل الاراضي الفلسطينية بحدود 67
واقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة كاملة وقابلة للحياة وعاصمتها القدس
الشرقية وعودة الاجئين الفلسطينيين الى ديارهم، كل القضية الفلسطينية تلخصت بهذه
الاهداف والمطالب التي اقل ما يقال عنها انها مطالب الحد الادنى والتي اصبحت اليوم
وبفضل اسقاط الخيارات الاخرى لانتزاع الحقوق المشروعة من مغتصبيها هي حد اعلى
السلطة الفلسطينية مطالبة بالتنازل بشانه الى حدود لا يعلم بها احد غير الله، الان
على ماذا يتفاوضون واسرائيل تعلنها صراحة بانها تريد كيانا يهوديا خالصا؟ بمعنى ان
مصير فلسطينيو 48 هو الاخر تحت خطر التهجير ايضا، فأين الحل من مشكلة مازالت تتفاقم
وتتشعب؟ اسرائيل لا تريد دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة، وانما نوع من انواع
الحكم الذاتي المقيد الابعاد، والذي لا تمانع اسرائيل في ان يكون له علم ودستور
ومجلس امة ولكنها تمانع في ان يكون له اقتصاد مستقل وجيش مستقل وحدود سيادية مستقلة
عن اسرائيل، اسرائيل ترفض اي صيغة حقيقية لعودة اللاجئين! اذن على ماذا
يتفاوضون؟
بوش وعد الفلسطينيين والعرب وعشمهم بان فترة
حكمه ستشهد اقامة الدولة الفلسطينية وخاصة بعد انجاز مهمته في العراق، احتل العراق
وذهب بوش وذهبت معه الوعود الكاذبة، وصار من الروتين التكتيكي ومع كل عملية امريكية
كبيرة في المنطقة يستدرج لها العرب ليكونوا جسورا تتحرك عليها الادارة الامريكية ان
يجري التلويح بجزرة فلسطين وما ان تنتهي العملية تتحول الجزرة الى عصى لمن يتمرد
على الذرائع والاعذار وهكذا اليوم، التكتيك الامريكي يريد تكتيل ما يسمى بدول
الاعتدال العربي مع اسرائيل بوجه ايران وحزب الله وحماس، وحتى تسير الامور على
مايرام لا بد من جزرة الوهم الفلسطيني نفسها، وعليه اعلن اوباما بان 24 شهرا ستكون
الفترة المطلوبة لاقامة الدولة الفلسطينية الموعودة طبعا بعد سنتين سيكون الرئيس
مشغولا بانتخابات الفترة الثانية وهكذا دواليك!
عباس اعلن قبل اشهر بانه يائس وسوف يستقيل
وكانت دعوته تلك قد لاقت احتراما من قبل كل التواقين لخروج منظمة التحرير من وصاية
الاقامة الجبرية للسلطة الفلسطينية، وكان الرد الامريكي مهينا ـ حقيقة ـ لان هلاري
كلنتون قالت بالحرف اننا سنواصل التعاون مع من يحل محله، ان كان هذا الذي سيحل فياض
او دحلان او ايا كان، تراجع عباس وعاد لمحل اقامته الجبرية، بعد ان جرب حظه في
امتحان حظوته عند الادارة الامريكية!
على الضفة الاخرى هناك اطراف تدعو للخروج على
اوسلو لانه فشل وبات وجوده يشكل عائقا امام انطلاقة بديلة لانتزاع الحقوق المغتصبة،
ولان اسلوب المفاوضات الجاري لا يمت باي صلة للمقاومة، فالتفاوض المقاوم لا يعني
الا اجبار العدو على التنازل والتراجع اي ان التفاوض هو مجرد عملية تنظيم لهذا
التراجع الذي كلما ازدادت المقاومة الضاغطة عليه كلما عجلت بتراجعه، فبعد 18 سنة من
مفاوضات عقيمة يحقق فيها العدو ما يريد تحقيقه يتوجب الان اعلان افلاسها وتشديد
الضغط المقاوم بجبهة وطنية ميدانية وبمنظمة تحرير حقيقية وليست منظمة تمرير طفيلية،
لتشتعل الضفة الغربية بوجه الاحتلال الصهيوني وتجعل تكلفة تعنته غالية جدا، ان
القيام بذلك صارمستحقا واكثر من اي وقت مضى انه واجب وطني وقومي وانساني تستلزمه كل
المعطيات فلسطينيا وعربيا ودوليا، الا يكفي ان تضم اسرائيل الحرم الابراهيمي
لممتلكاتها لاشعال مثل تلك الثورة التي ستجدد الحياة في المقاومة، الا يكفي ان
تتهود كل القدس الشرقية وان يهان الحرم القدسي الشريف كل يوم، الا يكفي ذلك كله
ليكون سببا لتغيير المسار؟ ام ان السلطة مقتنعة بان حل الدولتين لا يحل المشكلة
ومهما فعلت اسرائيل فان حل الدولة سيكون بالنهاية كفيلا بحلها، وحتى لو جارينا هذه
الفنتازيا فان حل الدولة الواحدة لشعبين سيكون حل بملمح واحد هو الملمح اليهودي،
لان كل الملامح العربية الفلسطينية تكون وقتها قد اختفت بفضل تهاون
الاستسلاميين!
الذي لا يريد ان يدخل السجون الاسرائيلية من
قادة فتح ومنظمة التحرير كما دخلها مروان البرغوثي وسعادات ليخرج ويترك الساحة
ولديه ما يكفيه من اموال ووجاهات، وليترك المقاومة لاهلها فهي ادرى من غيرها
بشعابها، وليتركوا حماس والفصائل المقاومة الاخرى تقوم بدورها في غزة المحاصرة
والضفة المقطعة والصابرة على مضض، لتندلع جذوة الانتفاضة الفلسطينية الكبرى والتي
وفي كل الاحوال لن يخسر الشعب بها سوى ذله وانكار حقه بالحياة، ان الهجوم افضل
وسائل الدفاع دوما وفي كل انواع المباريات حتى في كرة القدم فهل نسي الحركيون هذه
البديهة؟
عباس القى بالكرة بالمرمى العربي ـ المعتدل ـ
بعد ان طلبت منه واشنطن ان يفعل ما هو مطلوب منه، مفاوضات غير مباشرة طالما اسرائيل
لا تريد ايقاف الاستيطان كمخرج شكلي يحفظ لعباس والمعتدلين بعضا من ماء الوجه
المسكوب، وهي عمليا اي هكذا نوع من المفاوضات قائمة فعليا لان جورج ميتشل يتواصل
بزياراته المكوكية للطرفين وينقل تصوراتهما الغير متصورة، والامر كما هو يراد له
فقط ان يوحي بان هناك حل ما في الطريق وان اسرائيل وامريكا يحاولان تذليل العقبات،
وفي هذا الاطار كسب للوقت والمواقف التي يراد تجنيدها لمكان اخر هو ايران وسوريا
وحزب الله وحماس، عباس وافق بطبيعة الحال والانظمة العربية المعتلة منحته الغطاء
لانها هي الاخرى مربوطة بنفس الخيط، جاء بايدن ليبارك ومعه الوسيط ميتشل وهنا اعلنت
اسرائيل انها ستبني مستوطنات جديدة، الكل ادان واستنكر بما فيهم بايدن نفسه لكن
الامر امر واقع وعليه ستكون هناك مادة محددة وفرتها اسرائيل للتفاوض غير المباشر
الا وهي ايقاف الاستيطان العلني حتى اشعار اخر، جامعة الدول المعتلة وعلى لسان
امينها العام اعلنت ان مجلس الجامعة سيسحب تاييده للمفاوضات الغير مباشرة اذا لم
توقف اسرائيل قرارها ببناء الوحدات السكنية الجديدة، النتيجة اسرائيل ستبني ما
قررته وميتشل سيواصل زياراته المكوكية بعد ان ينسى الموضوع وعمليا ستكون هناك
مفاوضات غير مباشرة ولكن دون اعلان رسمي عنها، لان الحال سيبقى على ما هو عليه ان
كانت هناك مفاوضات مباشرة او غير مباشرة او لم تكن هناك مفاوضات اصلا!