انتخابات الغش والخداع والوعود الزائفة
د.
نزار احمد
Nezarahmed@hotmail.com
ماذا يحصل عندما تقام مباراة بكرة القدم بدون قانون
وضوابط يكون فيها ضمير اللاعب هو الحكم؟. سوف تكون مباراة فوضوية تتسم بالخشونة
والغش حيث سوف يحق لللاعب استخدام يده وسوف تهمل عقوبة
التسلل ولا احد يلتزم بعدد اللاعبين او عدد التبديلات
وتصبح اصابة الخصم الوسيلة
المفضلة للاستحواذ على الكرة
وسوف تتحول المباراة الى لعبة للثيران الاسبانية او الديوك المكسيكية يفوز بالمباراة ليس الفريق الاحسن والاكفأ والانزه وكما ترغب المرجعية ولكن يفوز بها الفريق الذي يسقط من حساباته
الروح الرياضية ويتمكن من تعويق
(تكسير) اغلب لاعبي الخصم. هذا بالضبط ما يحصل في
انتخابات العراق التشريعية فحكم المباراة (المفوضية العليا للانتخابات) خاضعة لاحزاب السلطة مع عدم وجود قانون الاحزاب حيث يحل للجميع شراء الاصوات واستخدام اموال الخارج
واموال الدولة وتسخير مؤسسات الدولة للحملة الانتخابية
ونشر اشاعات التسقيط واستخدام
مؤسسات الدولة الرسمية لتسقيط وتهميش واقصاء الخصوم واستخدام
الرموز الدينية ودور العبادة وتحوير فتاوى المراجع واطلاق ملايين الوعود الزائفة وتشويه بيانات الحكومة الرسمية
واضافة الاف الاسماء الوهمية لقوائم الناخبين وطبع اكثر من سبعة ملايين استمارة اضافية
والضغط على موظفي الدولة لانتخاب قوائم احزاب السلطة
والقائمة تطول وتطول؟. من يفوز
بالانتخابات سوف لن يكون الاكفأ والانزه والاحسن والاجدر والاكثر شعبية ولكن من يفوز
بها سوف يكون الاكثر كذبا ونفاقا ودجلا والاكثر استلاما للاموال الخارجية
والاكثر اختلاسا لاموال
الدولة والاكثراستغلالا لمؤسسات الدولة والدين والاكثر تزويرا لبيانات الناخب. من يفوز بالانتخابات سوف يكون
الحزب الذي
يبيع ضميره ومعه العراق لاحدى دول الجوار.
من يفوز بالانتخابات هو الكيان المسيطر على قرارات المفوضية العليا للانتخابات. من
يفوز بالانتخابات هو الائتلاف الذي كذب ملايين المرات على الشعب واغرقهم بوعود لايمكن تحقيقها حتى
اذا امتلك مصباح علاء الدين السحري. من يفوز بالانتخابات هو من وزع البطانيات
والخلاطات الكهربائية والمسدسات وكارتات التلفون. من يفوز بالانتخابات هو الائتلاف الذي اغرق جيوب شيوخ العشائر بملايين الدولارات
المسروقة من المال العام. طبعا سوف يأتي من يعاتبنا ويقول لنا بأن كل ما ذكرته سوف
لايتحقق وذلك لوجود قانون المفوضية العليا للانتخابات
والذي يعتبر بديلا لقانون الاحزاب. جوابي لهذا الشخص
المتفائل هو ماهي عقوبة الكيان الذي يخرق قوانين
المفوضية؟. بضعة الاف دولار تساوي جزءا بسيطا مما تدفعه
الاحزاب لشراء ذمة شيخ عشيرة واحد او موظف بسيط في المفوضية العليا للانتخابات. فالحزب الذي سخر
ملايين الدولارات لشراء الذمم هل سوف يخشى من عقوبة المفوضية التي لاتتعدى كونها عبارة عن غرامة مالية بسيطة.
خلال الاسابيع
الماضية شاهدنا العملية السياسية في اقبح صورها فبدلا من
ان تتسم الكيانات المتنافسة بروح تنافسية نزيهه تركز جهدها على البرامج الانتخابية وصدق الكلمة ومصلحة
المواطن والوطن العامة شاهدنا الاحزاب السياسية لا هم
وغم لها سوى اطلاق الوعود الخيالية الزائفة وتسقيط احدها الاخر وافتعال المشاكل
واطلاق الاشاعات واستخدام
جميع الوسائل اللاخلاقية واللااسلامية واللاديمقراطية من اجل الفوز بالانتخابات حتى اذا كان الثمن تمزيق وطنا باكمله.
للاسف انتخابات آذار التشريعية لم تعد انتخابات عراقية
ولكنها اصبحت انتخابات ايرانية امريكية سعودية سورية
تنفذها اياد عراقية ان كانت
اصلا اياد عراقية فالعراقي
الاصيل لايبيع ولا يخون وطنه.
فانتخابات آذار سوف لن تكون نتيجتها رغبة الشعب ولكن
نتيجتها سوف تحددها مصلحة احد دول الجوار. كلنا توقعنا بأن تطبيق الديمقراطية سوف
لن يكون امرا سهلا خاليا من المشاكل والتحديات وان
العملية سوف تدريجيا
تنضج وتتكامل مع مرور الزمن. وانطلاقا من هذا المبدأ فأن العديد من
المتابعين للعملية السياسية في العراق توقع تجربة 2010 سوف تكون انجح واكثر
نضوجا من تجربة 2005 وانا اتفق مع هذا الرأي على الرغم من ان قباحة تجربة 2010 قد فاقت قباحة تجربة 2005 بعدة اضعاف. في
انتخابات 2005 حصل اكثر مما يحصل الآن من عمليات شراء
الاصوات وتزويرنتائج صناديق
الاقتراع والالتفات على مبادئ الديمقراطية وتسخير المال
العام واستلام مال دول الجوار وتنفيذ اوامر الدول والاجندة الخارجية المستفيدة من عدم استقرار العراق ولكننا في
وقتها لن نشم روائح هذه الممارسات مثلما نشم روائحها العفنة هذه الايام لأن نتائج الانتخابات وممارسات خداع الشعب والتلاعب على
الضمير والاخلاق كانت مقسمة
ومتفق عليها مسبقا. فجميع مقاعد
الشيعة كانت حكرا بالائتلاف العراقي الموحد ومقاعد الاكراد كانت حكرا بالتحالف الكوردي
ومقاعد السنة كانت حكرا بجبهة التوافق. هذه الكيانات
الثلاثة والتي تسيطر على المفوضية ومؤسسات الدولة اتفقت في وقتها مسبقا على تقسيم
العراق الى ثلاث مناطق جغرافية بحيث يكون لكل ائتلاف رقة جغرافية حكرا له يتصرف بها
حسب ما يشاء وحسب ما يختار, فجبهة التوافق تغض النظر عن لااخلاقيات الائتلاف العراقي الموحد في المناطق الشيعية طالما
يغض الائتلاف الموحد النظر عن لااخلاقيات جبهة التوافق
في المناطق السنية وهكذا. اما في انتخابات أذار 2010 فقد
تغيرت الصورة كليا ففي مناطق الشيعة انقسم الائتلاف
العراقي الموحد الى تجمعين احدهما اصبح لايطيق الآخر, ايضا لم تعد المناطق
الكوردية حكرا بالائتلاف الكوردستاني ولكن اصبح هناك منافسا
ثانيا له. اما في المناطق السنية فقد توزعت مكونات
التوافق على اكثر من عشرة ائتلافات مع بروز كيانات
جديدة. هذه الانقسامات كشفت لنا الوجه الحقيقي القبيح الانتهازي لاطراف العملية السياسية. ايضا وضحت
لنا تحديات وخطورة المرحلة القادمة . حيث المرحلة الماضية تقاسمتها ثلاث ائتلافات
طائفية لم تستطع ان تقدم للمواطن والوطن سوى الفقر
والحرب الاهلية والتخلف والفساد وسرقة وهدر المال العام وتعطل
المشاريع والقوانين. ماذا سيحصل عندما تتقاسم المرحلة القادمة اكثر من عشرة كيانات خرجت توا من معركة انتخابية دموية تسقيطية تهميشية انعدمت فيها جميع
مبادئ وقيم
الخلق والشرف والدين؟. البرلمان والحكومة القادمتين سوف يتكونان من
اكثر من عشرة كيانات لايطيق
احدهما الاخر رابطهما المشترك الحقد والكراهية والانتقام ووجودهما تحت سقف واحد اشبه بخلط النار والبانزين. للاسف المرحلة القادمة سوف تكون اسوأ من المرحلة السابقة والضحية دائما الوطن والمواطن لأن لم
يفكر اي من الاطراف السياسية
في مرحلة ما بعد الانتخابات فكل هم وغم الاحزاب
السياسية هو الفوز بالانتخابات باي ثمن وباي وسيلة. كل هذا يعود
الى البداية الخاطئة
والمستعجلة وغير المدروسة عواقبها المستقبلية للعملية السياسية. ما حصل خلال
السنوات الاربع الماضية وما يحصل خلال الحملة الانتخابية
ما كان يحصل لو تريثت امريكا قليلا في انطلاق العملية
السياسية حيث بدلا من تشريع دستور متناقض وناقص كان عليها الانتظار حتى اكمال دستورا دائما يحتوي على مواد دستورية تخص القوانين
المنظمة للانتخابات والاحزاب (لا ان تفصل حسب قياس احزاب السلطة
وبواسطة احزاب السلطة) وتعالج المشاكل العالقة ما بين
مكونات وطوائف الشعب العراقي كقضية كركوك وكيفية التعامل مع حزب البعث وتقسيم
الثروات يرافقها مرحلة تثقيف الناخب العراقي . كذلك على
الرغم من عدم قناعتي بالآلية غير المتكاملة التي عرفت العملية السياسية
ولكني كنت ولازلت من المؤيدين والداعمين لها متطلعا
الى نضوجها مع مرور الزمن ومتقبلا هفواتها. ولكن بعد ما شاهدته خلال الاسابيع الماضية
واتضاح حقيقة المشاركين بها
بدأت اندم على هذا الموقف المتفائل.
هل
ترغب في التعليق
على الموضوع؟
اضغط رجاء.