العراقُ
ليسَ مزرعة للموت !
أ.
د. سيّار الجميل
يمر
العراق اليوم في مخاض صعب ، بسبب تفاقم مشكلاته وأزماته . ومتى خليَ العراق من
ذلك ؟ انه يعيش صراعا مريرا بين
فرقاء جدد ضمن ممارسة انتخابات تشريعية من اجل السلطة والقوة والمال ، لا من اجل
وطن ذبحه الأشقياء .. انه يعيش انقساما طائفيا واضحا ، ولكن بأدوات سياسية تمارس بها مختلف الخروق وأشكال العنف . إن
المشكلة قد نضجت من خلال محاصصة
طائفية ، واستبدادية أحادية ، تغذيها جهات خارجية ، ليغدو العراق مزرعة للكراهية
والصراع والدماء !
يتحدثون
باسم الديمقراطية وحماية الديمقراطية
، ولكنهم بعيدون عنها جدا . إنهم لا يؤمنون بأن الديمقراطية ، مفهوم
ديناميكي متجدد باستمرار ، لكنه لا يقبل أن يستعار من اجل إذكاء حرب داخلية ، ولا
حتى بث انقسامات شنيعة في أي مجتمع من المجتمعات . إذا كان العراق اليوم يرفع شعار
الديمقراطية ، فلابد لحكامه أن يؤمنوا بتداول السلطة ، وممارسة الديمقراطية ،
بالثقة والشراكة كوسيلة تخدم المجتمع ولا تضر به .. كقيمة لا تقدر بثمن بين من يحكم
وبين من يعارض ، وهي أداة ومنهج في تداول السلطة ، لا في الاستحواذ عليها بأية
وسيلة كانت ، وأيضا في إقرار مبادئ
العدل والمساواة ، لا في السيطرة والأحادية ، وفي المسالمة والمساءلة ، بعيدا عن
العنف والتهميش والإقصاء .
إن
ممارسة الديمقراطية من قبل أناس لا يعرفون شيئا عنها ، هي الكارثة بعينها ، بل أن
تجربة العراق الصعبة لم تبدأ بداية صحيحة ، حتى يمكن القول إنها تتطور نحو الأحسن ،
بل إنها بدأت بسيطرة جماعات معينة على مقاليد الأمور ، واستحواذهم على مقدرات
البلاد المنقسمة أصلا ، وكان لها أن تبدأ بمثابة مشروع وطني لنيل الحريات وبناء
المؤسسات على نحو مدني وقانوني لا سياسي . هنا نسأل : هل من الصواب أن تشارك كل
الأطياف في العملية السياسية منذ سنوات خلت ، ويأتي اليوم من ينفرد بالسلطة ليقول
بعدم صلاحية البعض في الانتخابات ؟! إذن ، كيف قبلتموه أول مرة بعد ان كّنا قد
عارضناكم وقت ذاك معارضة شديدة ؟ كيف اشترك معكم شراكة سياسية لسنوات عدة ؟ كيف أشركتموه معكم في كتابة الدستور الذي
عارضنا بعض بنوده ؟ إذا كنتم ترفضونه ، كان عليكم رفضه منذ البداية ! وإذا كنتم تحترمون مؤسساتكم ، فكيف يحترم
( دستور) ساهم في كتابته زعيم كتلة ونائب برلماني أصبح فجأة يحمل كل صفات الشناعة ؟
إذا كانت مؤسسة القضاء مستقلة في قراراتها ـ كما تقولون ـ فكيف لم تحترموا إرادة القضاء العراقي ،
بحيث مارستم سلطة استبدادية وتدخلا سافرا في شأن القضاء العراقي بتهديدكم السياسي ؟
ولا ادري كيف يجوز لهيئة لم يصادق عليها البرلمان أن تمارس السلطة في إقصاء مرشحين بعثيين ، وكنتم
انتم الذين تسعون للمصالحة معهم ؟ ولماذا لم يصدر البرلمان العراقي شيئا حتى الآن
بصدد مشروعيتها من عدمها ؟
إذا
كانت الهيئة التمييزية قد تراجعت عن قرارها السابق .. فهل وجدت في من أقصتهم عن
الترشيح ، أن أياديهم ملطخة بدم العراقيين ؟ هكذا يقولون .. إن الوحيدين الذين
يطالهم الاجتثاث هم الذين تلطخت أياديهم بدم العراقيين ! إن البعثيين قد تجاوزهم
الزمن في أن يحكموا العراق مرة أخرى باسم الحزب الواحد أو الحزب القائد . إن
المشكلة ليست في استئصال زيد أو عمرو من العملية السياسية ، بقدر ما هي وسيلة
لسيطرة جماعات معينة على حكم البلاد ، وقد استمرأوا طعم الحكم والنيل من ثرواته ،
ومن دون أن يقّدم للمحاكمة كل الذين كانوا وما زالوا ينهبون العراق .. وإذا كانوا سابقا يعلنون عن مبدأ شراكة
، فهم اليوم يتحدثون عن مشروع إقصاء ! هنا ، يساهمون عمدا وعن سبق إصرار وترصد في
دفع البلاد إلى الحرب الأهلية من جديد ، بلا أي اكتراث لما ستؤول إليه الاوضاع في
قابل الأيام .. وسواء اعتمدوا على
إيران ، أم لم يعتمدوا عليها ، فهم على خطأ كبير في ممارسة هذا التوجّه ! توّجه لا
يترجم كونه إقصاء لمرشحين بعثيين ، بل توّجه يترجم في الذاكرة الشعبية ، كونه اخصاء
للمجتمع ! توّجه يترجم ـ ايضا ـ كونه خوف ورعب من بقايا نظام راحل تمّيز بقوته
وغطرسته !
إن
مشكلة العراقيين تتجسد أيضا في عدم احترامهم للرأي الآخر ، وأنهم لا يقبلون (
المعارضة السياسية ) أساسا ، وكأنهم جبلوا على الاستبداد ونظام الرأي الواحد ، وحكم
الطيف الواحد ، وحكم الائتلاف الواحد .. الخ . وهناك قطاع كبير من الكتبة والمصفقين
والمروجّين لا يعرفون إلا ترديد ما يقوله الحاكمون . إنهم لم يفكروا يوما بحيادية
وموضوعية وبأفق بعيد ، بل تجدهم ينساقون للدفاع عن تصريحات وأفعال سياسية يفرقعها
المسؤولون الجدد . إن الأزمة ليست كالتي يتصورّها الناس ، بدليل تصريحاتهم السابقة
حول ما أسموه بالمصالحة الوطنية وقد مّدوا أيديهم نحو البعثيين مرارا وتكرارا !
إنها اليوم ، عملية تضليل واضحة من
اجل الاستحواذ على السلطة وحكم العراق سواء بأجندة أميركية أو إيرانية أو غيرها
! وهي عملية خطيرة جدا ، إذ سنسمع
فرقعات ، ولكن من نوع آخر بعد الانتخابات !
إن
الإجابات ستترجمها الأيام القادمة إلى واقع ، وأخشى أن يكون واقعا مأساويا مريرا ـ
لا سمح الله ـ . إن شناعة الممارسات السياسية من اجل السلطة من قبل هذا أو ذاك،
وممارسة كل النهب المنظّم الخفي والمعلن بواسطتها ، قد أبقى العراق مخنوقا ، كما
عجزت الحكومة عن تقديم ما يحتاجه
العراق أصلا من خدمات بلدية وضرورات أمنية .. إن شناعة ما يمارس اليوم من اجل
السلطة ، سيجعل الحياة العراقية أسيرة للصراع ومزرعة موت بين فرقاء غير أكفاء أبدا
.. ولم يصلحها إلا مشروع وطني مدني ديمقراطي حقيقي ، كنا ولم نزل ننادي من اجله عبر
سنوات مضت .. مشروع ينضوي الجميع تحت مظلته ، ليتعلموا معاني الديمقراطية ، وبناء
المؤسسات ، واحترام القضاء ، وتقديس المال العام .. بدل كل هذا الضياع الذي يراهن عليه
الآخرون ، الذين فشلوا في حكم العراق .
نشرت
في البيان الإماراتية ، 17 شباط / فبراير 2010، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار
الجميل
هل
ترغب في التعليق
على الموضوع؟
اضغط رجاء.