أفواه
وعمائم
حاتم
جعفر
تنبأ البعض بحدوث تطورات ايجابية تتصل بمستقبل الشعبين وذلك بعد انتهاء الحرب
العراقية الايرانية التي استمرت رحاها بين الطرفين قرابة
الثمان سنوات, حرص الطرفان على الترويج بأنهما خرجا منها منتصرين, غير أن النتائج على الارض اثبتت بما لايحتمل الشك أو الاجتهاد عكس ذلك تماما, فكلفة الحرب كانت
باهضة جدا والخسائر لم تقتصر على خزين الدولة واحتياطها
فحسب وانما امتدت لتحرق بأثر رجعي كل مقومات الدولة
واعمدتها الرئيسية , وليخسر الطرفان أهم المرافق الحيوية
التي تعتبر رافعات واساسات لا بد منها في بناء أي دولة
بصرف النظر عن طبيعة الحكم والحاكم وتوجهاته السياسيه,
والاهم من كل ذلك والاكثر ايلاما هو سقوط مئات الالاف من
الضحايا, في حرب طاحنة لا ناقة للشعبين فيها ولا جمل
وانتهت الى نقطة الصفر بل الى
ماقبل الصفر, حيث أجبر الطرفان, متزعمي الحرب على
تجرع السم كلاّ على طريقته الخاصة.
وبحسب المراقبين السياسيين والمتابعين لشؤون المنطقة وقتذاك, فقد كان من المتوقع
بأن تجري اعادة النظر بطبيعة العلاقة التي تربط طرفي
الحكم في كلا البلدين وصولا الى صبغة ما, تعطي لشعبيهما
املا في ممارسة بعض الحقوق الاساسية التي تكفل كرامة الانسان
وحريته من جهة ومن جهة أخرى كي تقوم الدولة بضبط ايقاع
الشارع ومخافة حدوث ردات فعل من الصعب السيطرة عليها,
خاصة وان الحرب قد انتهت بخسارة الطرفين حتى وان لم يعترف بذلك, وان وزرها قد حملته
تلك الاكتاف العارية التي ثبتت اقدامها عميقة وابلت بلاءا حسنا,
دفاعا عن ارضها, دون الالتفات الى حقيقة النظام ان كان جائرا او عادلا.
وعلى ضوء ذلك فقد جرت مناقشات لم تكن على مستوى عال من الجدية, داخل مجلس قيادة
الثورة المنحل باعتباره أعلى سلطة في البلاد آنذاك وبعد أخذ ورد واطلاق بعض الوعود من هنا ومن هناك وصدور اشارات قوية من اصحاب القرار وكذلك
ما جرى من تسريب لأخبار تداولتها اوساط عربية ودولية مقربة من صناع القرار في العراق, بالترافق
مع تحركات سياسية قامت بها اوساط محايدة, تمخضت عنها اجراء
اتصالات ببعض الشخصيات والقيادات السياسية المعارضة, خارج العراق
وداخله بهدف فتح حوار ما بين اطراف
المعارضة المعنية من جهة والسلطة والسلطة من جهة اخرى, وحين وصل الامر الى مرحلة تستدعي اتخاذ خطوات عملية مسؤولة ومشجعة, حصل تراجع ملحوظ من قبل النظام فقد جرى التراجع
عن الوعود التي اطلقت ولتأتي الانباء مخيبة للامال ليحسم الجدل
داخل اروقة القصر الجمهوري باتجاه التقليل من شأن القوى
المعارضة والاكتفاء باصدار التعليمات الخاصة بعودة
المعارضين كأفراد وليس كأحزاب, مستثنيا من اعتبرتهم معادين لخط(الثورة) وبذلك يكون
الحكم السابق قد عاد الى سياسة الاستفراد والاستحواذ على
مفاصل الدولة, ليمارس سياسة اقصاء صريحة للمعارضين
لحكمه, دون الالتفات او الاقرار بحق الاختلاف وحرية التعبير لمن يشاركه
المواطنة.
وبهذا التنصل يكون قد عاد الى ذات السياسة التي اتبعها
في مطلع سبعينات القرن الماضي حين اعلن عن تشكيل الجبهة
الوطنية مع بعض الاحزاب الوطنية والقومية. فعلى الرغم من
اعطائه دورا متميزا في قيادة الجبهة حسب الاتفاق الذي
أبرم مع الاطراف الاخرى, الا انه ظل مصرا على ضرورة
الاستئثار بالسلطة واتباع مختلف الاساليب التي تضمن له الهيمنة المطلقة على مختلف مفاصل الدولة
مما عرض الاحزاب المتحالفة معه للكثير من الحرج والضغط
من قبل قواعدها, بل تحول التحالف الى ستار يمرر فيه
الحزب الحاكم الكثير من سياساته وخاصة تلك المتعلقة بسمعته على المستوى الخارجي.
ناهيك عن تفرده في قيادة عمل الاتحادات والنقابات
المهنية, والاخطر من ذلك تحريمه المطلق لأي نشاط سياسي
للاحزاب المؤتلفة معه داخل المؤسسة العسكرية واصداره التعليمات الصريحة التي تعرض الشخص الذي لا يلتزم بتلك
التعليمات الى اقسى العقوبات
بما في ذلك عقوبة الاعدام, ليعيد ثانية الى نهج الاقصاء
والتفرد.
وعلى الجانب الآخر ولأن الامر يتعلق بعقلية الاقصاء والشىء بالشيء يذكر ولأنها
على صلة مباشرة ومؤثرة في مجريات الساحة السياسية العراقية ولها باع طويل ودربة في عملية الاقصاء والابعاد لمعارضيها فلا بأس
من الاطلاع على بعض التجارب التي لا بد من التطرق لها,
ففي ذكرها نفع للناس ولا اعتقدها
غافلة عن المتتبعين, فتجربة التفرد والاستئثار بالسلطة التي عانت منها الشعوب الايرانية لا زالت حية وتنبض بالالم, فعلى الرغم من التنوع القومي والاثني الذي تتشكل منه ايران فأن
القومية الفارسية التي تعد اكبر الاقليات التي يتكون
منها المجتمع الايراني ولاتشكل اغلبية مطلقة, لكنها مارست
ولا تزال اكبر عملية اقصاء لمواطنيها من الشعوب الاخرى, فهي تحتكر أهم المرافق الاساسية في الدولة وتشغل أكبر المناصب وحريصة كذلك على تطبيع
الحياة الاجتماعية بقيمها وعاداتها. وبالمقابل فأن الشعوب الاخرى تجد صعوبة بالغة في ممارسة طقوسها واعرافها وحتى لغتها, ان حل المشاكل
القومية يتأتى من الدين ليس الا,ّ في ذريعة مكشوفة
للتملص من الاستحقاقات القومية لشعوب ايران الاخرى.
والانقلاب الذي قام به التيار المحافظ على ارادة الشعوب
الايرانية حين خرجت عن بكرة ابيها متحدية نظام الشاه ونجحت في اسقاط عرشه عام 1979 الذي لم تستطع حتى قوى الاستخبار العالمي ولا جهاز السافاك
الشديد القوة والتنظيم والعدد من انقاذه, يعد شكلا آخر
من اشكال الاقصاء, اذ جرى وبسرعة ملفتة للنظر وربما ليس بعيدا عن تدخلات اجهزة غربية مشبوهة, استبعاد
قوى راديكالية وطنية واحزاب يسارية ذات صبغة دينية,
كفدائي خلق ومجاهدي خلق وتودة ومفكرين وشخصيات يشار لها
بالبنان من قبل الاساط السياسية في ايران كمحمود طالقاني وحسين منتظري
وغيرهم, منهم من تم ابعاده عن مراكز القرار ومنهم من تمت
تصفيتهم على يد من ورث واستفرد بالتغيير فيما بعد ,
محدثين انقلابا صريحا ضد رغبات وتطلعات الشارع الايراني
الذي يعود له الفضل في التصدى لأجهزة القمع الشاهنشاهية وبالتالي بالتغيير الذي حصل في ايران وقلب موازيين القوى في المنطقة والعالم وقتذاك وقبل
ان تتم سرقة الثورة وحرفها عن اهدافها الحقيقية.
تجربتان مرتان لا تشرف حتى المرور بهما, فكلاهما عمل على
الاقصاء والاستبعاد فمهما جرى من محاولات للتزويق فسوف لن يكون الهدف منها غير التسويق وسينتهي الامر حتما اذا ما نجح المروجون
الى فرض شكل من اشكال التحكم
والاستفراد وكذلك الى فرض نهج ديكتاتوري بذرائع شتى,
تتفاوت اساليبه وادواته بين
الكذب والادعاء والوعود الجوفاء والصاق التهم بالغريم
السياسي بغية اسقاطه والافساح
في المجال لمن لا يقل دنائة عن المقصي. واذا ما استمرت اللعبة بين ساقط وآخر فسندخل مرحلة التآمر
واستغفال المواطن العراقي مرة أخرى للتضيق عليه وجعله
ضحية بين خيارين لا ثالث لهما حتى يتم ابعاده عن الخيار
الحق والصحيح, والحذر شيمة الملسوع فلا مجال لكل من خان وهادن وباع وسرق وزور وادعى
الموعظة الحسنة وفتح الباب على مصراعيه لشذاذ الآفاق
ورهط الجهلة والاميين وخريجي سوق مريدي.
لقد بات
واضحا ان ما يربك لاعبي السياسة الحاليين ظهور بوادر
تشكل وعي ربما سيقوم بقلب الحسابات باتجاه واحد, يضمن الكرامة للوطن والمواطن
والخلاص من الاحتلال واعوانه, واذا ما دار الكلام عن الانتخابات البرلمانية القادمة فالانظار ينبغي ان تتجه نحو
الكفاءات العلمية والشخصيات الوطنية القادرة على النهوض بالعراق مرة ثانية, بعيدا
عن الولاءات المناطقية
والمذهبية والانتماءات الحزبية, خاصة تلك
التي اثبتت فشلها في قيادة مؤسسات الدولة, خلال سنوات
الحكم منذ الغزو الامريكي حتى يومنا هذا. خلاصة القول,
ليس بالضرورة ان نكون اسرى
بين رؤيتين, الاولى تعود
لمجلس قيادة الثورة المنحل والثانية لمجلس تشخيص مصلحة النظام الايرانية على طريقة العمائم العراقية, اعذرونا يرحمكم الله
فلا مجال للتقليد.
حاتم جعفر-
السويد
هل
ترغب في التعليق
على الموضوع؟
اضغط رجاء.