بلاد نشفت إلا من النفط والثورة

العراق... توقعات بعطش فاحش!


رشيد الخيون

تُقدر الثروة التي أهدرها العراق على حربي الخليج بأربعمئة مليار دولار، هذا من غير الثروة البشرية، فالقتلى كانوا من فئة الشباب كافة. ومن غير التفريط بملايين النخيل، حيث تنتصب الجذوع يابسة بلا رؤوس، طمرت بحيرات وجفت أهوار وتحولت مجاري أنهر، ولم يعد الري، وهو هندسة العراقيين القدماء، من أولويات شؤون الدولة، فحضارة العراق في الأساس هي حضارة الماء، ومدنه وقراه تمتد على شبكات من الري، والقدماء جعلوا للمياه العذبة، لغزارتها، إلهاً.

 

يروى لشهرة ماء العراق أن أحدهم سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يتجه مع رجل من أصحابه إلى موضع بدر (2 هـ)، بلا سابق معرفة: ممَنْ أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء! ثم أنصرف عنه. قال: يقول الشيخ: ما مِنْ ماءٍ؟ أمِنْ ماء العراق! (الطبري، تاريخ الأمم والملوك). ولغزارة الماء قال الشاعر: ارفق بعبدك إن فيه فهامةً.. جبليةً ولك العراق وماؤها.

 

ولعظمة وقِدم ثروة القصب، وهو الكائن المائي، قال الجاحظ (ت 255 هـ): لو اجتهد أعلم الناس، وأنطق الناس أن يجمع في كتاب واحد منافع هذه البطيحة، وهذه الأجمة (الأهوار) لما قدر عليها. قال زيد: قصبة خير من نخلة. وبحق أقول: لقد جهدت جهدي أن أجمع منافع القصب ومرافقه وأجناسه، وجميع تصرفه وما يجيء منه فما قدرت عليه حتى قطعته، وإنما معترف بالعجز مستسلم له (كتاب البلدان).

 

كانت شبكات من الأنهر والبحيرات تمتد على طول العراق وعرضه، من بداية دخول النهرين الأرض العراقية وحتى مصبهما، بعد اجتماعهما عند البصرة، في شط الأبلة العظيم (شط العرب)، وحيث قال بشار بن برد البصري (قتل 163هـ) مفاخراً باقتران دجلة والفرات: الرافدان توافى مـاء بـحرهما.. إلى الأبلة شرباً غير محضور (المسعودي، التنبيه والإشراف). وأقول: لو جهدت جهدي لجمع أخبار ماء العراق ما وسع المقال، ولا الكتاب، ولا حتى الزمن، لأنه تاريخ آلاف السنين.

 

ما وصل البلاد غازِ إلا بدأ بتعمير شبكات مائها، حتى يضمن الخراج والعشور والجزية لبلاطه (كانت تؤخذ قبل الإسلام من قبل الأكاسرة)، إلا الغزو الأميركي -البريطاني الأخير حيث استبدلت الدولتان الماء بالنفط، تلك المادة النحسة لدى مفسري المنامات ومعتقدي الطوالع.

 

هذه لمحة من تاريخ ماء العراق، ولا أظن كمية الماء، في المنابع، قلت إلى هذا الحد الذي يهدد البلاد بالجفاف، وأهل الفيزياء يعرفون دورة الماء ونسبته الثابتة في الطبيعة، حتى قال فلكي بغدادي لا ينقصه الماء، وهو البديع الأُسطُرْلابي (ت 539 هـ) مادحاً خليفة زمانه: أُهدي لمجلسك الشريف وإنما.. أُهدي له ما حُزتُ من نعمائه.. كالبحر يُمطره السحاب وماله... مَنٌّ عليه لأنه من مائه (تغرى بردى، النجوم الزاهرة).

 

أرى وراء تحقيق توقعات العطش في العراق دولا وجيوشاً، وضعفاً عراقياً لم يشهد التاريخ مثله، وفساداً حكومياً لا يعبأ بعطش المحكومين، ولا بجفاف الأنهر وملوحة الآبار. فساد محمي من رؤساء الدولة. توقعات الجفاف العلمية أو الهندسية الإروائية، للأسباب المدروجة، سيتحقق في السنة (2040) حيث يجف دجلة والفرات، وسيشار إلى هذه البلاد مثلما يُشار إلى اليمن السعيد، حيث كانت.

 

هذا على مستوى العلم، أما على مستوى الدين، فالأمر أكثر فجيعة، حيث قرن كتاب الصابئة المندائيين الذين لا يعيشون ولا يتعبدون إلا على حافات الأنهر ومائها الحي، جفاف الماء بيوم عسير. جاء في التسبيح الثامن من كتاب المندائيين المقدس: كل مَنْ عمل باطلا سيبقى هنا مكبلا بعذاب ربه، إلى أن يجف الفرات من منبعه إلى مصبه، ويجري دجلة خارج مجراه، إلى أن تجف جميع المياه (الكنزاربا- قسم اليمين).

 

إن لتركيا وإيران، على حد سواء، دوراً في تقريب هذا اليوم، وفي تلك التوقعات المخيفة. تركيا بسدودها العملاقة، وكانت البداية بسد أتاتورك العظيم -أقصد السد وليس الشخص- فما أمل به نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي مواطنيه من موافقة الأتراك على زيادة كمية الماء لم يتحقق. وينطلق نائب الرئيس بآماله من علاقة رفاقية مع حكام تركيا، حيث الصلة بالشجرة الأم "الإخوان المسلمين"، لكن لا إسلاميي تركيا ولا علمانييها تقلقهم تلك التوقعات، فالجميع لا يُقرون بشراكة الناس في الماء، وإن كانت وصية نبوية، وما زال العراق بيتاً من بيوت العنكبوت، غير قادر على تهديد السدود، الحائلة دونه ودون الماء، لا يقر له أحد بحق. فمعلوم أنه لا يجوع ولا يعطش مَنْ لديه القوة. تلك واحدة من آيات دهاء عمرو بن العاص (ت 42هـ)، قال لمعاوية بن أبي سفيان (ت 60 ) عندما أشتد القتال بصفين (37 هـ) على ماء الفرات: خلِّ بينهم وبين الماء، فإن القوم لن يعطشوا وأنت ريَّان (تاريخ الأمم والملوك). فمَنْ يعطش والسيوف لوامع!

 

يتذكر المعاصرون أن إيران، بعد تموز 1958، حاولت بناء سد يمنع جريان ماء (الوند) إلى العراق، من جهة خانقين الشرقية، وهي الشراكة في هذا الماء منذ آلاف السنين، فهي الطبيعة هكذا أوجدها خالقها، فما الحق بفك تلك الشراكة! حينها وجهت إنذارات لإيران تراجعت عن منع الماء. وكان المنولوجست فاضل رشيد يصدح عبر إذاعة بغداد: آنه أكَول (أقول) الأرض هاي... ملكي شاطيه والماي... آنه حامي الأرض هاي... بهلوي شتريت منها....

 

إيران الآن حولت مجاري الأنهر، التي كانت تغذي شط العرب والأهوار، من الكرخة، والكارون وغيرهما، ولم ينبس نواب الشعب بكلمة، وستمنع أغنية مثل تلك إذا لم يُغتل مغنيها، فطهران إضافة إلى قوتها وضعف بغداد أنها مدللة، صاحبة جميل على معارضة الأمس، ولها رؤوس يذودون عنها تحت قبة البرلمان، حقاً أم باطلا. فكم اتفاقية مع مؤسسات وشركات إيرانية وتركية وقعت من دون اشتراط قضية الماء! حتى تحول العراق إلى سوق لفجل وبصل هاتين الدولتين.

 

أكثر من هذا، كان شح ماء العراق وراء العواصف الترابية، وغبرة المدن، وكأن أبنيتها أُخرجت من تحت طبقات الأرض، كان ماء الأهوار والبحيرات سبباً من أسباب اعتدال المناخ وسط بيداء شاسعة. ناهيك عن خراب الزراعة، واعتلال صحة البشر هناك. لكن، مَنْ يدرك فداحة الفساد المالي، وفظاعة هيمنة غير الاختصاصيين غير المؤتمَنين في الوزارات، ورداءة الشعور الوطني، يستسلم لتوقعات أهل العلم، ولتنبؤات أهل الأديان بجفاف الماء الحي الجاري واقترانه بيوم عسير

 

 

ومن التوقعات المتحققة، كان مدير مدرستنا الابتدائية، وحيد الأسدي، يقولها هُزأة وسخرية عند تفتيش تلاميذه: أغسلوا... الماي مو بفلوس! وها هو الماء يستورد ويباع بالفلوس حاله حال التكنولوجيا! والسماسرة، من ذوي السلطان، هم المساهمون بالجفاف!

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟ اضغط رجاء.

 

22.07.2009