هويات
قاتلة ومحاصصة طائفية
زهير المخ
(1)
أدى دمج الهويات القاتلة، من
طائفية وإثنية، في العملية السياسية العراقية إلى تغييب منطق الدولة وإلغاء مفهوم
المواطنة وهيمنة نزعة الولاء الجمعي التي وقفت عقبة كأداء في وجه إضفاء القيمة
الأساسية على انتماء المواطن. وبما أن هذه الهويات لا تحمل سوى منطق الغالب
والمغلوب، فإنها تعتبر أي انتماء خارجها على أنه خيانة صريحة لها.
هل تعبّر الهويات القاتلة هذه عن
صيغ أو طبعات لما يمكن أن يكون عليه عراق الغد، أم أن محركاتها تقع في مكان آخر؟ هل
التوصل إلى توافق، ولو نسبيا، على مثل هذه الصيغة مهمة مطروحة موضوعياً على جدول
الأعمال؟ وهل القراءة الطوائفية والإثنية للعملية السياسية كافية بذاتها لاستشراف
الآتي من الأيام؟
هذه الأسئلة باتت اليوم أكثر
إلحاحاً، وهي، على كل حال، مادة النقاش الموضوعي القابل للارتقاء عن سوية "الردح"
السياسي السائد، بدليل اكتفاء كل مكوَن عراقي باجترار مواقفه والعجز عن إنتاج أي
إدراك مشترك للحظة السياسية، يسمح بتلمس مخارج من المأزق الراهن والانتقال التدريجي
إلى منطق دولة المواطنة.
وبالفعل، فقد اقتصر إدراك هذه
المكونات الشروط الضرورية لتكًون الدولة، أي الأرض والشعب والسلطة، التي بقيت تعمل كل منها في معزل عن
الأخرى. فالدولة بما تعنيه من مؤسسات وهيئات وسلطة ومعارضة وأحزاب وتيارات، تم
اختزالها بمزارع سياسية. أما الشعب، بما يعنيه من حقوق وواجبات مواطنة ومشاركة
وهوية سياسية وثقافية، فقد اختصر إلى رعايا أو قبائل تحكمها الجغرافيا السياسية
التي احتكرت موارد الأرض لمصلحتها وجندت الرعايا لحروبها.
وأمام هذا الواقع، انفصمت عرى
الكيان العراقي، وبرزت مكونات قائمة على التوازن البهلواني استأثرت بالكلمة الفصل
في الشؤون الحياتية العامة. كما أن الفكر السياسي لم يشهد انتقالاً من عرف المكونات
التقليدية إلى مفهوم المواطنة. ولما كانت هذه المكونات تشكل التكتلات في المجتمع
العراقي، وهي لا تحمل في موروثها تجربة سياسية يمكن الاعتداد بها، وهذا عائد إلى
أسباب نشوئها. ولما كان تجذّرها في المخيلة الشعبية قد رسخ تقاليدها التي أثرت على
المجتمع المديني، فقد سحب هذا الواقع نفسه على بنية الأحزاب والحركات التي رفعت شعارات الحداثة والتطور وسيادة
القانون، غير أنها لم تستطع عمليا تجاوز سقف العرف التقليدي.
ومن المفارقات الهائلة التي
واجهت المجتمع العراقي تلك الإشكاليات التي عملت السلطة القائمة على تكريسها واللعب
على أوتارها، حيث حولت المجتمع الواحد إلى "مجتمعات" متنافرة فقدت مرتكزات هويتها
ومواطنتها الجامعة، فحاولت الاستعاضة عنها ببدائل وولاءات طائفية وإثنية وقفت
وراءها للمطالبة بحصص وحقوق جعلتها تمسك بمقدرات الوطن وثرواته.
في هذا الخصوص، هناك سؤال يداهم
معشر العراقيين: هل فضحت تجربة الأعوام القليلة الماضية هشاشة هذه المكونات التي
أمسكت بالحكم وكشفت عن ضعف أدائها وعجزها عن إدارة البلاد والعباد، وبالتالي كشفت
الأحداث المعاشة أن "ديموقراطية المحاصصة الطائفية" ليست إلا قناعاً تتستر به أسوأ
أنواع الفساد والمحسوبية تمارسها القوى الطائفية والإثنية في البلاد؟
ثمة إجابة ترى في المكوَن الشيعي
مؤشراً إلى الحراك السياسي والاجتماعي الذي أفرزته البيئة العراقية، التي تشكلت
رويداً على إيقاع الأحداث العنيفة في غضون السنين القليلة الماضية. وفي ضوء هذه
القراءة، ثمة من يعتقد أن المكوَن الشيعي ليس مجرد امتداد طبيعي للتطور اللاحق
بأحوال الطائفة الشيعية في العراق، فهذه الأخيرة كتلة اجتماعية تغيرت شروط حضورها
تماماً في الساحة العراقية، ليس من الناحية الديمغرافية التي تضعها في مقدمة
الطوائف الأخرى الكبيرة داخل خريطة الفسيفساء الداخلية، بل خصوصاً قوة الحضور في
مجال السياسة، وتحديداً بالسلطة، ينهي تقليداً متوارثاً من القطيعة معها والاعتكاف
عنها.
كما تشير هذه الإجابة إلى أن
المكوّن الكردي تعتريه الرجفة والانكفاء والعزلة كلما انفجرت في أطرافه المصائب
والأهوال، تعبيراً عن حالة تاريخية، فيما يفسرها آخرون بأنها مرتبطة بصورة وثيقة
باشتداد النزعة الانفصالية لدى الأكراد. لكن للانكفاء الكردي عوامل أخرى ربما تتعلق
بالتسويف الحكومي من تطبيق البنود الخاصة المتعلقة بالحقوق الكردية في الدستور
العراقي، سواء تلك المتعلقة منها بالتأخير الحاصل في التنفيذ الحكومي لبرامج
التطبيع الخاصة بمدينة كركوك، أو في التلاعب الحاصل في الموازنة المالية المخصصة
للمنطقة الكردية من العائدات النفطية، إضافة إلى التشكيك المتعلق في الفيدرالية
التي باتت تتمتع بها المناطق الكردية. وعلى ما يبدو فإن هذه الأمور تحضر في بال
الطرف الكردي الذي ظل يردد على مسامع الآخرين دون كلل أن له الحق في تقرير المصير، ولكنه سرعان
ما يستدرك أنه إنما يريد البقاء في إطار دولة عراقية موحدة تحترم هويته وتصون حقوقه
في الفضاء العراقي. إنه، بالأحرى، يعمل وفق
مبدأ: اعمل للعراق كأنك لن تنفصل أبداً واعمل لكردستان كأنك ستنفصل
غداً.
في المقابل، ثمة إجابة أخيرة ترى
في "جبهة التوافق" أنها جسّدت وعياً سنياً بالذات، والتغيرات الطارئة على دور أهل
السنة وموقعهم في تركيبة الحكم الجديدة، يعبّر عن إدراك المكون السني لحدود ما هو
مسلّم له. وفي المقلب الآخر، برزت "مجالس الصحوات" ذات القاعدة السنية داخل الصومعة
العشائرية في منطقة "المثلث" مطالبة بحقها في التمثيل. ولئن عرفت "جبهة التوافق"
بالاندفاع في المطالبة بحجز مقعد في مكان فارغ يتسابق مع الآخرين لاقتسامه،
وبالإيمان في انتزاع الأدوار والمواقع لطائفتها، فإن ممارسات مجالس الصحوات السنية
توحي بأنها قادرة على التنافس والإقناع أكثر مما هي قادرة على إرباك التعايش على
مستوى مسرح "المثلث السني" برمته.