نهاية
المطاف
الجواهري - وثورة 17 تموز
د .
شاكر الحاج مخلف
رئيس تحرير جريدة المدار
الأدبي
إذا كان في العراق إثنان من أعظم أنهار الدنيا
وشما بالقداسة وهما مفتاح الخير لبلاد مابين النهرين ، فأن للعراق نهر ثالث هو ـ
نهر الشعر والبلاغة ـ وعلى أرض العراق ومن خلال وقائع الأيام المتعاقبة فيه كتبت
أروع صفحات الشعر العربي القديم والحديث ، وخاصة تلك التي تحاكي صور البطولة والمجد
لأصحاب اليراع والحسام ، نجد على مرّ
العصور المتعاقبة تنافست العقول وانفتحت قرائح الشعراء الكبار ، في ديوان الشعر
المنجز فوق تراب العراق لمعت أسماء كثيرة وكانت تستقر كالنجوم في سماء العرب مضيئة
يخطف الأبصار بريق كلماتها وقوافيها وسحر المعاني والبيان المنسوجة منه ، أحد
المستشرقين " استوقفتني عبارة في كتاب له ، حيث يقول " في بلاد ما بين النهرين ـ
العراق ـ تجد شعراء كما العروق المتشابكة في تلك الأرض الممتدة بين الظمأ والماء "
وفي رسالة لطالب لنيل الدكتوراة في الأدب العربي في جامعة - جورج تاون في الولايات المتحدة
الأمريكية - ، اقتطع لكم منها قوله "
في دولة مثل العراق ذات الحضارة الباهرة ، يناهز عدد الشعراء عدد النخيل وتلك
البلاد هي الأولى بعدد النخيل " ، أيضا أتوقف عند دراسة مهمة جدا تمت مناقشتها في
جامعة السوربون ـ في فرنسا ـ قبل عامين بالتحديد ، حيث تحدث باحث أوروبي من سويسرا
عن الشعر في العراق المجيد ، فقال واصفا أبا الطيب المتنبي "الشاعر الفارس العنيد
المعارض الذي يمتطي صهوة جوادا عربيا أصيلا ويمسك بالسيف والقلم وتستقر حوافر جواده
فوق قمة قلعة قديمة بينما يدور بقية الشعراء أسفل تلك القلعة ، كم توقفت كثيرا عند
هذا القول الدرامي البديع حيث يقول الشاعر ، لنا عند هذا الدهر حق ٌ يَلطهُ ، وقد
قلَ إعتابٌ وطال عتاب ، " الحديث كما يرى المتلقي الكريم عن الشعر يقودنا للتوقف
عند ذكريات أمسكت بها الذاكرة المتعبة عن شاعر مجيد بين الشعراء ، هو كالعلم الخفاق
ذاك الذي ظهر في فترة كان العراق فيها يتكون ويحاول أبناؤه الغيارى نفض غبار الأيام
المظلمة وفتح نافذة كبيرة للنور ، من جيل عصره كان - الرصافي - شاعر العراق الأكبر حبيب الكادحين والمقاوم
من أجل الحق وحرية الوطن ، وكذلك ـ الزهاوي ـ ربيب العلماء والمثقفين ، الشاعر الذي أكتب عنه ، قال عنه ـ
الرصافي ـ في قصيدة أنشدها أمام الجموع ، وليتعلم البعض كيف يفرح المبدع بمن هو
أجدر منه ولا يشعر بسخف التنافس ، كلاهما ملكٌ للوطن ، قال الرصافي في قصيدته
الرائعة " أقول لرب الشعر مهدي الجواهري ....!
نعم الشاعر الجواهري هذا الرمز الوطني الكبير ،
هو تاريخ العراق الحاضر والماضي وصوت القوة والعنفوان ، هو في غياب الرواية والقصة
كتب بتلك القصائد الفريدة الوقائع في مواجهة شعب العراق لقوى الطغيان والفاشية ،
وكان بذلك قد وفر رافدا مهما للباحثين والدارسين ، كانت قصيدة الجواهري بتكويناتها
الدرامية اللغوية ذات البيان الساحر سوطا يلهب ظهور الأعداء وقوى الاحتلال
البريطاني والعملاء المتعاونين معها ، ذات يوم في فترة السبعينات وبعد عودته من
غربته المتتابعة كرمته ثورة 17 تموز ، سهر العراقيون يستمعون إليه من خلال التلفاز
وهو يدلي بحديث طويل ينبع من ضفاف قلب رجل فراتي الهوى عراقي الانتماء ، بتلك
الكلمات القوية افترش حنايا الوطن ، يصف أحلام وآمال وكبوات الشعب وينشر وقائع
التاريخ السياسي ، كان يذكر الشعب بكل واقعة مشرفة صنعها ، كلمات قصائده كما -
النبع الفراتي الدجلوي - يرتشفه
فلاحو أرض السواد وهم ينظرون إلى الصوت الوطني الذي شغل العقول ، في ذلك اللقاء بدت
الذاكرة وقد أخذت تضعف لدى الجواهري ، كان يحاول جاهدا استذكار بعض قصائده التي
نظمها في فترات بعيدة ، وعندما يشعر بالعجز يصحح له من كان يحاوره فيضحك الجواهري
بود جمّ ويقول " العتب على المشيب " ويضحك لتلك العبارة كل الذين تجمعوا في المقاهي
والبيوت لمتابعة ذلك اللقاء ، أذك أيضا ذات يوم عندما استلم الجواهري مسئولية -
اتحاد كتاب العراق - وجدته يتحدث بصوت قوي مهاجما الكروش والعقول المتبلدة التي
تطبع كتبا لا تساوي ثمن الورق المطبوعة عليه ، قال بغضب " لقد جاءتكم الفرصة
والثورة وفرت لكم كل شيء ، ضعوا مصلحة العراق بين عيونكم ، إذا كنتم تشعرون بالعجز
أفسحوا الطريق للكتاب الشباب ، لا بد أن تظهر أعمالا أدبية مهمة في الرواية والشعر
والقصة والمسرح ، يجب أن تقدموا للشعب نتاجا كالذي ظهر بعد ثورة أكتوبر في روسيا
"... وذات يوم أيضا كان الشباب في العراق من طلاب الجامعات والمدارس الثانوية وقوى
شعبية أخرى تجمعوا لبناء تجربة فريدة في العمل التطوعي الجماعي كان يقودها الرئيس ـ
أحمد حسن البكر - تتمثل في بناء قرى عصرية للفلاحين ، تابع الجواهري تلك التجربة
وتفاعل معها ووقف أمام ـ البكر ـ مرتجلا قصيدته الشهيرة الرائعة "-
سلمتْ ثورةٌ وبوركَ
عيدٌ
وتعالى هتافكمُ
والنشيدُ
أيها المبدعون
نيساناً
تحف فيه
الورودُ
17- تموز 2009-
يسمح بإعادة النشر في المواقع والصحف العراقية
والعربية ـ الوطنية -