الانكشاف الأمريكي ومأزق
إدارة أوباما
عبد الزهرة
الركابي
ليس الانكشاف الأمريكي على الصعيدين السياسي
والاقتصادي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مرده أحداث عابرة أو آنية أو
ذات أهداف مبيتة، وإنما هو انكشاف استراتيجي يعود مبناه وفحواه إلى سياسة قامت
وتجذرت على الهيمنة والسيطرة على ثروات الشعوب في العالم بستار من التلاوين
الحربائية التي استخدمتها أمريكا منذ سنوات الحرب الباردة. وقد صاحب هذه السياسة
غطاء فاضح من الأكاذيب والتزييف والوعود الجوفاء، وهو أمر من الطبيعي أن يؤدي
بسياسة كهذه إلى الانحدار على سفح الفشل والهزيمة.
من الواضح أن الاستراتيجية الأمريكية حاولت في
السنوات الأخيرة الاعتماد على قوتها العسكرية التقليدية في إشغال المراقبين
والتشويش على أنظارهم بشأن الثغرات التي راحت تتعاظم في عمادها الاقتصادي، كما حدث
في أفغانستان والعراق، لكن الفشل الذي لحق بالسياسة الأمريكية في البلدين
المذكورين، أبطل هذا الإشغال والتشويش، وترك المجال فسيحاً لهبوب عاصفة الأزمة
المالية والتي لا نريد الدخول في التفاصيل والحيثيات والعوامل التي أسهمت فيها،
بعدما غدت معروفة ومكشوفة الصفحات لدى المعنيين، خصوصاً في جانب عسكرة الاقتصاد
الأمريكي، حيث إن السياسة الأمريكية في هذا الجانب ضاعفت من وتيرة صناعة السلاح
والإنفاق العسكري بفعل احتلالها العسكري لأفغانستان والعراق، ناهيك عن دعمها
اللامحدود للكيان الصهيوني بشتى الصعد والجوانب مثلما هو معروف.
لا شك أن أمريكا، بفعل انكشافها العسكري
والاقتصادي، اضطرت إلى التراجع الاستراتيجي الإجباري، وهي على الرغم من سياسة
الدبلوماسية التي تتبعها إدارة أوباما سواء في العراق أم في أفغانستان، أو حتى في
افتعال سياسة التباين بينها وبين *إسرائيل* بموضوع
الاستيطان، تحاول في نفس الوقت هيكلة هذه السياسة عبر أساليب لم تعد خافية، حيث
عمدت في العراق إلى تغطية فشلها المدوي من خلال الاتفاقية الأمنية، وكان من فصول
مسرحيتها الأخيرة الانسحاب من المدن، مع أن بعض المصادر الأمريكية لم تنفك عن تسمية
هذا الفصل *الاحتلال الانتقالي*، كما أن زيارة نائب الرئيس الأمريكي المفاجئة
للعراق المحتل جو بايدن، أكدت هيكلة هذه السياسة عندما صرح بالقول إنه *إذا ما
أستؤنف العنف سنتراجع عن التزاماتنا*.
والكل يعلم أن الأمن مازال مضطرباً في العراق،
حتى أن حكومة المالكي في أشد الحاجة إلى حماية أمنها الشخصي في المحمية الخضراء
*المنطقة الخضراء* ببغداد، فما بالك بالحفاظ على الأمن في العراق عموماً؟ ولو عدنا
إلى تصريح بايدن، فإن نائب الرئيس الأمريكي قد أعطى المبرر سلفاً لقوات الاحتلال
الأمريكية في العودة إلى المدن التي انسحبت منها شكلياً، ولا نقول
مسرحياً.
وفي أفغانستان قامت واشنطن بعملية عسكرية كبيرة
باتجاه ولاية هلمند والتي تعد معقلاً رئيساً لحركة *طالبان* الأفغانية، حيث ذكرت
الأنباء الواردة من ساحات القتال أن القوات الأمريكية تكبدت خسائر فادحة في الأرواح
والمعدات بما فيها إسقاط طائرة مروحية. وتأتي العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة
في ظل تعاظم الفشل الأمريكي في هذا البلد المحتل، والذي تحاول إدارة أوباما فيه
عبثاً الحفاظ على ماء الوجه الأمريكي من دون جدوى.
إن إدارة أوباما، وعلى الرغم من تحركها
الدبلوماسي بشأن القضية الفلسطينية، بدت عاجزة في الرد على خطاب نتنياهو الأخير
والذي أمعن فيه في الصلف والعنجهية، ومن المؤكد أن مثل هذا الكلام قد سمعه الرئيس
الأمريكي شخصياً من رئيس الحكومة *الإسرائيلية*، لاسيما أن أوباما مدرك كل الإدراك
أن العقيدة الصهيونية لنتنياهو، تجعله بعيداً عن التسوية كبعد الأرض عن الفضاء، من
واقع أن نتنياهو يريد دولة فلسطينية مستحيلة، بعدما وضع شروطاً لا يمكن في ظلالها
أن تقام دولة أو بالأحرى دويلة، وبالتالي نحن نتساءل: كيف تستقيم أركان ومؤسسات
دولة فلسطينية على سبيل المثال لا الحصر وفقاً لشروط نتنياهو، بإسقاط حق عودة
اللاجئين، والموافقة على يهودية *إسرائيل* من قبل الفلسطينيين، وتجريد هذه الدولة
من السلاح، وكذلك إعلان القدس المحتلة عاصمة أبدية موحدة ل *إسرائيل*؟
إذن، الانكشاف الأمريكي لا يحتاج إلى منظار،
وهو يوماً بعد آخر يتسع افتضاحه من خلال دوام المأزق الممتد إلى إدارة أوباما،
ويبقى على الدول المحبة للسلام أن تبادر إلى تمزيق ما تبقى من الستار الأمريكي، من
مبدأ أن التأريخ لا يرحم.
rekabi@scs-net.org