صراع
الارادات
من يكسب الحرب في
العراق
د . خالد المعيني*
جولات الصراع الثلاثة
أهداف الحرب السياسية
معايير النصر
والهزيمة
نتائج صفرية
ولاصفرية
شكل العراق طيلة السنوات
الست الماضية ، نموذجا وبؤرة لصراع تداخلت فيه عدة ابعاد وتشابكت على المستوى
المحلي والاقليمي والدولي ، وفي الوقت الذي تبدو فيه عناصر هذا الصراع من الناحية
الظاهرية وكأنها تميل الى الاستقرار ، فأنها
في حقيقة الامر لاتزال في حالة من الديمومة وتستمد محركات استمراريتها من جوهر الصراع
المتمثل في عدم انجاز الاطراف المعنية بهذا الصراع لاهدافها النهائية والتي هي
سياسية بأمتياز ، فحسابات الكلفة والمنفعة وتبدل التهديدات والمخاطر قد يغير من
طبيعة الصراع ولكن هذا لايعني نهايته
فقد يتخذ اشكال وصيغ جديدة لاتكون بالضرورة ذات طبيعة عنيفة على طول
الخط ،وربما تتنقل مابين الوسائل العسكرية تارة والسياسية والنفسية والاعلامية تارة
أخرى أو تتأرجح مابينهما على ضوء الامكانات المتاحة والاهداف ، ولعل هذا ما يفسر
موجات العنف المزمن التي تضرب العراق كرسائل يتبادلها اللاعبين بين الحين والاخر
.
جولات الصراع
الثلاثة
أذا جاز لنا من الناحية النظرية ولاغراض منهجية تصنيف الصراع الدائر في
العراق الى ثلاث مراحل، فأن ذلك سيعتمد بصورة أساسية على محصلة الخصائص المشتركة
التي تطبع فترة زمنية مهما طالت أو قصرت مما يعطيها وصف المرحلة ، وأن تداخلت هذه
المراحل من الناحية الواقعية والفعلية فيما بينها .
تمتد المرحلة الاولى من منتصف 2003 الى مطلع 2006 واتخذ الصراع فيها طبيعة عسكرية عنيفة وقاسية طالت كلا طرفي
المعادلة ، مقاومة الشعب العراقي والاحتلال الامريكي ، الا أن مرحلة ثانية أمتدت
بين عامي 2006 - 2008 يمكن أنطلق عليها بالمرحلة الانتقالية شابها الكثير من الفوضى و العنف الطائفي
واختلطت فيها الاوراق ، وعادة ماتتسم المراحل الانتقالية بالغموض وحالة اللايقين
حيث يحاول كل طرف اكتشاف قدرة الطرف الثاني على المطاولة وينال الانهاك من الجميع
ويميل كل منهما على اعادة تعريف المصالح والتهديدات ومحاولة ابتكار وسائل جديدة
لادارة الصراع طبقا لحسابات ومعادلة
الكلفة والمنفعة .
يمكن بوضوح تأشير انطلاقة المرحلة الثالثة للصراع في العراق بفوز مرشح
الديمقراطيين أوباما الذي مثل رغبة الشعب الامريكي لانهاء ملف الحرب في العراق ومثل
بنفس الوقت هزيمة نهج الجمهوريين القائم على فلسفة المحافظين الجدد بالاستخدام
الاقصى للعنف والعمل العسكري في معالجة قضايا السياسة الخارجية الامريكية . وهذه
المرحلة التي دشنها أوباما مطلع 2009 في أعلان استراتيجيته للانسحاب من العراق
ستكون مرحلة يدار الصراع فيها سياسيا واقليميا .
أهداف الحرب
السياسية
عادة ما تشن الحروب العسكرية لتحقيق أهداف سياسية ، ولم تتكبد الولايات
المتحدة كلف الغزو المادية والبشرية الباهضة لاعتبارات انسانية تتعلق بتحرير العراق
كما تدعي وانما لتحقيق اهداف سياسية واقتصادية ولعل في مقدمتها اقامة نموذج لنظام
سياسي حليف تدشن فيه الولايات المتحدة مشروعها الامبراطوري من خلال "الشرق الاوسط
الكبير" يضمن لها وضع اليد مباشرة على عصب الطاقة في القرن الحادي والعشرين وقطع
الطريق على الاقطاب الصاعدة والمنافسة لها على قمة الهرم السياسي الدولي ، وهذا
الهدف الاستراتيجي لايتحقق الا بالسيطرة المباشرة على اكبر خزين نفطي في العالم
يطفو عليه العراق .
على ضوء ما تقدم فأن ادارة الاحتلال باشرت فور غزوها
بتدمير الدولة العراقية وليس النظام
السياسي كما أدعت ، بكافة مؤسساتها وبناها التحتية عدا مؤسسات النفط ، وفككت صمامات
الضبط الاجتماعي كالجيش والشرطة واجهزة الامن ولم يستثنى من ذلك نهب الاثار وحرق
المكتبات ودو الوثائق الوطنية بغية
خلق الفوضى الخلاقة التي يسهل بعدها بناء الدولة على وفق المقاسات الامريكية التي
تضمن تحقيق الاهداف السياسية للحرب .
تم
تصميم النموذج الامريكي من خلال صناعة هياكل سياسية وصياغة دستور دائمي يضمن ترسيخ
قاعدة المحاصصة الطائفية والعرقية كفلسفة سياسية لنظام الحكم في العراق الجديد وهي
نسخة معاصرة من سياسة فرق تسد الاستعمارية، وأستقدم لهذا الغرض من أصقاع الارض طبقة
من السياسيين الانتهازيين المتعاونين أو أصحاب النزعات الانفصالية و الطائفية
، والذين وجدوا في الاحتلال فرصة
ذهبية لتحقيق مآربهم.
معايير النصر
والهزيمة
يمكن تشبيه جوهر الصراع على انه حوار للارادات فلا يمكن
لطرف ما ان يدعي انه انتصر الا عندما تنكسر ارادة الطرف الثاني ويعلن استسلامه ،
وفي العراق وقعت القيادة الامريكية المتغطرسة بوهم الانتصار التقليدي عندما أحتفلت
في وقت مبكر من أيار 2003 بتحقيق النصر في العراق و توقعت انها بتدمير الجيش
العراقي المنهك والمحاصرو بامكاناته التقليدية قد حسمت الامر ، متناسية ان الصراع
بمحتواه المادي لاقيمة له الا بحدود نتائجه النفسية والسياسية ، لذا جاءت تصاعد
عمليات المقاومة العراقية لتؤكد ان الحرب الحقيقية قد بدأت بعد الاحتلال ، حيث أدى
الاستنزاف المستمر للقوات الامريكية طيلة المرحلة الاولى ليعزز من ارادة الشعب
العراقي وليضعف من ارادة الجندي الامريكي الذي لم تعد لديه قضية يقاتل من أجلها بعد
أن تكشفت حقائق الحرب وزيف الادعاءات التي من أجلها شنت الحرب
.
لقد تكبدت
الولايات المتحدة الامريكية جراء حربها في العراق وفق المصادر الامريكية المستقلة
أكثر من 33 ألف قتيل وربع مليون جريح مسجل في جمعية المحاربين القدامى وخروج نصف
معداتها القتالية من الخدمة ، أضافة الى ترليون وثمانمائة مليار دولار
.
يأتي أخفاق العملية السياسية
في العراق على كافة المسارات سواء السياسية والخدمية واات الحكومية الا بنسبة 10
%لامنية أبتداءا من أنجازالمصالحة الوطنية أو تعديل الدستور القائم على المحاصصة
وعدم جاهزية القو ليشكل معيارا حقيقيا لفشل الاهداف السياسية للاحتلال
.
مشاهد العراق الى أين
....
حقق اللاعبين الرئيسيين كالولايات المتحدة الامريكية والمقاومة العراقية
وايران ، ومن خلفهم اللاعبين الثانويين كالحكومة وتركيا والعرب أنجازات واخفاقات
طبقا للاهداف النهائية والسياسية فاذا كانت أميركا لم تنتصرعسكريا في العراق وفشلت
استرتيجيا، فانها بعد لم تهزم كليا ، حيث لاتزال لديها كدولة عظمى هامشا من حرية
الحركة والمناورة السياسية محليا وأقليميا تحاول من خلالها تحقيق انسحاب مدبر
وهاديء من العراق ومحاولة الحفاظ على ما تبقى من ماء الوجه وضمان الحد الادنى من
المصالح الاقتصادية .
وعلى الرغم من ان أيران قد تمكنت من استغلال الصراع الدائر
بين المقاومة والاحتلال في المرحلة الاولى والثانية من الصراع لتحسن شروطها في
العراق من خلال تطوير نفوذها تدريجيا وامتلاكها اوراق حقيقية داخل العملية السياسية
وخارجها الى الحد الذي تطالب فيه بملء الفراغ بعد انسحاب القوات الامريكية ، فأن
هذا النفوذ يرتبط الى حد كبير بالتواجد الامريكي الذي تعتمد على غطائه الى حد بعيد
أذناب وزعانف ايران في العراق .
تبقى فصائل المقاومة العراقية ومن خلفها الحركة الوطنية العراقية بكل
توجهاتها ، هذه الفصائل التي مني الاحتلال على يدها بهزيمة عسكرية قاسية سيذكرها
التاريخ ، وفي الوقت الذي يمتلك كل من ايران واميركا خيار اللعبة غير الصفرية بمعنى
عدم كسب الحرب كليا من خلال الانسحاب او تقليص النفوذ من قبل ايران فان هذه
المقاومة كما تخبرنا تجارب الشعوب ليس امامها سوى طريق واحد وهو اللعبة غير الصفرية
أي عدم القبول بانصاف الحلول وعدم الوقوع بأفخاخ المناورات الاقليمية وهو انجاز ما
بدأته وضحى الشعب العراق من اجله مليون ونصف من الشهداء .
الانجاز الذي حققته المقاومة في الشق العسكري رغم أهميته وضرورة استمراره ،
لايعفيها من استكمال مشروعها السياسي وبناء هياكل جديدة لادارة الصفحات غير
العسكرية من الصرع ، السياسية والاعلامية والاجتماعية والعلاقات الخارجية وذلك للتجاوب مع طبيعة الصراع المتغيرة
وضرورة التكيف معه ، وضمان المطاولة والنفس الطويل الكفيل بانجاز الصفحات النهائية
لأستقلال العراق الناجز .
-------------------------------------------------------------
* دكتوراه فلسفة في العلوم السياسية - فرع الدراسات
الدولية / جامعة بغداد
* باحث في مركز دراسات الاستقلال.