الإفلاس مرة
أخرى
زهير
المخ
كان بعض الظن
العراقي أن اللغة التصالحية التي بشّر خطاب رئيس الوزراء نوري المالكي بها بعد
الانسحاب العسكري الأمريكي من المدن، وإقلاعه عن الانتشاء المؤقت بالنصر، سيلقي
استجابة طيبة من الأفرقاء الآخرين، وإقبالا علي رفع العوائق من طريق المصالحة
الوطنية، لكن هذا الظن غلّب الأمنيات علي الواقع. ولئن كان واقع خطاب المالكي ينبئ
بما كان عليه بالأمس، فإنه يتحكم، بشكل أو بآخر، بآفاق المستقبل، التي لا يمكن
استشرافها إلا بأسئلة الإبهام، ولا تتاح مقاربتها إلا بعلامات الاستفهام. هذه
الخلاصة الواقعية الصعبة، هي الحصيلة الممكنة، التي يمكن الخروج بها، ليس من معاينة
عدد الكلمات، كمعيار كمّي للخطاب، وإنما مضمون الكلام. هناك كلمات لم تغب بالطبع من
خطابه من نوع: بناء الدولة أو
لا أحد يعلو فوق سلطة القانون
أو الإصلاح السياسي وغير ذلك من الكلمات التي يستمع إليها
الكثير من العراقيين جمهوراً ونخباً ويتعامل معها علي أنها مجرد كلام إنشائي،
بالمعني السلبي لكلمة إنشاء أي ما يقرب من الثرثرة الاستهلاكية. لكن
أبرز ما يجب أن لا يستخدم بخفة هو تعبير
المصالحة الوطنية بين أقطاب
الانقسام الأهلي. هنا يجدر بنا إعادة الاعتبار إلي الرابط الوثيق الذي يشد الحراك
الحكومي الهادف إلي تزييت مفاصل المصالحة الوطنية بالأزمة السياسية العامة التي لم
تجد طريقها بعد إلي الحل. فما تبديه المكونات السياسية علي اختلاف مشاربها من
استعصاءات متقابلة، لا يجد مبرراته في كلمات رئيس الوزراء العراقي، بل هو ينهل من
معين الانقسامات الأهلية، المرافقة لنشأة المكونات السياسية العراقية، والحاضرة بقوة، في
محطات اهتزازها، وعند منعطفات انفجاراتها المتوالية.
وما يلوح في
مضمون الخطاب وكأنه محاولة أولية لاستخلاص وطنيّة عراقية عابرة للهويات القاتلة عبر
صيغ تسوويّة مع تلك الانتماءات هو أقرب إلي الاستحالة. ومثال ساطع علي ذلك الائتلاف
الشيعي الحاكم الذي اثبت أن للكتل الطائفية قدرة علي إعادة التموضع في حال لم
يتوافق حساب الحقل مع حساب البيدر مما خلخل الثقة بالمشروع التصالحي من أساسه.
وربما عقد البعض الآمال علي رئيس الوزراء العراقي ومحاولاته الخجولة في طرح أفكار
وقضايا للنقاش حول المصالحة وبناء دولة السيادة والقانون والمؤسسات خارج التجاذبات
والحسابات الطائفية، إلا أن المالكي لم يستطع أن يكون علي مستوي
الطموحات.
فبالإضافة إلي الأسباب الخارجة عن إرادته، وقع رئيس الوزراء العراقي مع
مرور الوقت في خطاب رسمي تبسيطي، وانزلق في مواقفه إلي حد التماهي بشكل كلي مع
مواقف الصقور في الائتلاف الشيعي، الذين ما انفكوا عن ارتكاب الأخطاء المتتابعة،
فغرق في لعبة الأفرقاء الآخرين لإنتاج الخنادق الطائفية والمذهبية وأشعل الخلاف بين
المخيمين السياسيين بشكل حاد، فاتسم الخطاب السياسي لدي الطرفين بالتحريض والتهديد
والتهويل ليرقص العراق، من جديد، علي حافة البنادق وليغرق الشارع في الانفجارات
المتكررة وليدخل المجتمع العراقي في دوامة الانهيارات والهلع الطائفي. وقد أصاب
الأخير أيضا النخب الداعية إلي الانفتاح والمصالحة في الصميم فتخلي بعض منها عن
المسؤولية تجاه مقاومة خطاب الحرب الأهلية وتشرد البعض الآخر إلي الخارج ليتفرج
بحرقة علي شريط الاحتقان الداخلي.
هذا الشريط
الذي قد توقفه النخبة السياسية الحالية عن
التسلسل عبر تدشين مصالحة وطنية حقيقية من أجل وأد مسلسل العنف في البلاد
وارتسام معالم السلم الأهلي والانطلاق إلي بناء دولة مدنية حديثة وقوية وعادلة، علي
الرغم من تبنّي المكوّن الكردي خطوات بدت، في شكل وقوعها علامات علي رغبة في الذهاب
نحو الاستقلال وامتلاك دولة منفصلة عن الكيان العراقي: رفع العلم الكردي وطرح مشروع
دستور إقليم كردستان للاستفتاء الذي يؤكد
حق الأكراد في تقرير مصيرهم، وإقرار مشروع خاص بالنفط في البرلمان المحلي.
هكذا ظهر
الأكراد داخل المشهد السياسي العراقي وكأن علاقتهم بالدولة المركزية واهية إلي حد
بعيد، وأنهم إنما يتحينون الفرصة المناسبة للإسراع في إعلان دولتهم المستقلة. ويبدو
أن الفكر السياسي الكردي مازال في الإجمال أسير فكرة مفادها أن إثبات رفض حالة
الانفتاح علي الفضاء الوطني والانكفاء علي الذات القومية كاف من الناحية العملية
للابتعاد تدريجياً عن الدولة المركزية الجامعة. كما تحول قادة الحركة السياسية
الكردية من متمردين لائذين في الجبال إلي رجال دولة في الحكومة المركزية، فيما تحول
إقليم كردستان إلي منطقة ذات هوية كردية بامتياز، وباتت تتثاءب في عراقيتها ونشاطها
السياسي إزاء المركز الجامع. ومع استمرار تعثر عملية المصالحة الوطنية وتضاؤل الوقت
المتبقي قبل غرق السفينة السياسية بركابها، فإن الخطوات التي يراد منها منع الوقوع
في الهاوية لن تكون مضمونة النتائج، ذلك أن سيناريو الفراغ المنشود يفترض أن
اللاعبين في الحلبة سيكون بإمكانهم ضبط رقصتهم عند حدودها.
ولذلك، من
الخطأ إذن اعتبار خطاب المصالحة كمحطة مقبلة الذي ضرب موقف المالكي موقفاً نهائياً،
فهذه السياسة ما هي إلا تأقلم مرحلي مع الأفق المسدود ومع استمرار التناحر بين
النخب السياسية، فإن بدا في الأفق مشروع جديد لإقامة حكومة وحدة وطنية، عادت النخب السياسية عن تصلبها
المقابل والتحق بها كثيرون. هذه هي الجدلية الراهنة: مصالحة وطنية حقيقية تسمح
بتصور التأسيس الثاني للوطن العراقي.