قراءات عراقية للحدث
الإيراني
زهير المخ
استطاعت الجهات الرسمية الحاكمة في بغداد من
ضبط لسانها، حتى اللحظة، حيال الأحداث الجارية في إيران، فظهر انحيازها الضمني على
الأقل إلى نعمة الصمت، رغم أن تصريحات خجولة طفت على السطح جمعت في طياتها مزيجاً
فريداً عكس تناقضات الطيف السياسي التي تكاد تشبه لوحة زيتية على القماش. إنها بعض
عوارض الاستقطاب السياسي في البلاد وما يرافقها من ارتدادات نفسية لا سياسية، بما
يُضمره هذا الافتراض من مبالغة.
الحدث الإيراني دخل العراق هذه المرة من الشباك
في لحظة تداعٍ داخلية بين الأطياف السياسية هي أقرب إلى تداع عام وتنافر في المواقف
لا تخطئه عين الناظر. وعند هذه اللحظات تفاوتت ردود فعل القادة السياسيين المنقسمين
في تقييمهم لانعكاسات هذا الحدث على الواقع العراقي.
في هذا الإطار، اعتبر الرجل الثاني في "حزب
الدعوة" علي الأديب أن الحدث الإيراني ليس سوى "شأناً داخلياً"، ولن يؤثر على
السياسة الإيرانية إزاء العراق، لماذا؟ "لأن وزارة الخارجية الإيرانية هي التي تلعب
الدور الرئيس في هذه السياسة بغض النظر عن الفائز في الانتخابات"، متناسياً مدى
النفوذ الإيراني المتزايد في الشأن الداخلي العراقي الذي يتجسد، من حيث الأساس، في
الدعم السخي الذي تقدمه طهران لأحزاب ومليشيات شيعية وجمعيات إغاثة وأسلحة وذخائر
ودورات تدريب، إضافة طبعاً إلى الدور الإيراني الذي تعكسه التجارة المزدهرة لتهريب
النفط العراقي عبر شط العرب، وهي عملية يشترك فيها قياديون في الأحزاب الشيعية
المسيطرة على البصرة وتجار ومسؤولون إيرانيون على الضفة المقابلة من الحدود
المائية. كما تنطلق الرغبة الإيرانية في التدخل بالشأن العراقي من معطيات طائفية،
وذلك لاعتبار بسيط وهو أن إيران "مؤهلة" و"قادرة" أكثر من غيرها للعب أدوار متباينة
في العراق بحكم العلاقات التاريخية مع الحالة الشيعية العراقية والتقارب
الجغرافي.
هذا على الأقل ما سعت إليه طهران منذ الإطاحة
بنظام صدام حسين حيث جهدت إلى دفع الأحزاب الشيعية العراقية للانخراط في العملية
السياسية. وفي المحصلة، استطاعت طهران جني ثمار فوز "الائتلاف الشيعي" العراقي في
الانتخابات البرلمانية التي جرت في العام 2005 - وهو الائتلاف الذي يضم في صفوفه
"المجلس الإسلامي الأعلى" بزعامة عبد العزيز الحكيم وهو من أكثر المجموعات الشيعية
ولاء للسياسة الإيرانية، وحزب الدعوة، إضافة إلى فصائل شيعية أخرى.
غير أن "خريطة طريق" التدخل الإيراني في الشأن
العراقي معقدة إلى حد كبير، فهي تتراوح بين التدخل "المباشر" و"غير المباشر"، من
بينها توثيق العلاقات مع "التيار الصدري" وسد احتياجاته من الدعم العتادي لمليشيات
شيعية مثل "جيش المهدي" ومليشيا "فيلق بدر"، إضافة إلى شراء الولاءات عبر واجهات
"اجتماعية خيرية". وعلى الرغم من النفي الإيراني المتكرر للتدخل في الشؤون
العراقية، فإن البعض يعتقد أن التورط الإيراني يستهدف بالأساس التأثير في تحديد
ملامح الخريطة السياسية المستقبلية، وبالتالي حجم النفوذ في مراكز صنع القرار
السياسي في العراق. وهناك ثمة من يعتقد أيضاً أن لدى طهران أوراقا إستراتيجية رابحة
وجاهزة للاستخدام للتأثير على المستقبل السياسي للعراق متمثلة في بعض "الرموز" في
التركيبة الحكومية الحالية التي لم تستطع أن تحافظ على مسافة ما عن سياسة طهران، بل
ظلت تدور في فلك سياساتها لاقتناعات أيديولوجية أو ربما لمصالح متبادلة.
وقد يلمح المراقب أيضاً شبهاً متعدد الأوجه،
وإن تفاوتت الأحجام، بين التجربة الإيرانيّة والحركة يمثلها "الائتلاف الشيعي"
العراقي، وقد يكون الأمر أبعد من تلاقٍ سياسيّ وانسجام مذهبيّ عقيديّ، وقد يكون
أكثر من تحالف أو التحاق أو تأثّر. ففي التجربتين تقيم عناصر مشتركة إلى هذا الحدّ
أو ذاك: فهما، مثلاً، تناهضان "نظاماً قديماً" تصفانه بالفساد أو السقوط، كما
تعبّران عن مظلومية تحركها الهويّة الشيعية الظافرية، لا الوقائع السياسية، تضخّم
فيهما الاستعداد الشعبويّ حتّى ليغدو جزءاً منهما لا يتجزّأ.
وإذا كان هذا مما يعقّد الفصل والتمييز بين
التجربتين الشيعيتين في كل من إيران والعراق، كان على "جبهة الوفاق" السنيّة، وهي
تساجل "الائتلاف الشيعي"، أسباباً أخرى تُضعف الفصل والتمييز. ففي رأي الجبهة أن
الحدث الإيراني سيخفف إلى حد كبير من وطأة التدخل السلبي في الشأن العراقي، وهذا
الكلام يطرح مجدداً أسئلة عن سر الرابط الإقليمي الذي يبدو أنه يفوق الرابط الوطني
أهمية في وعي عدد من المكونات العراقية. وهذه المعادلة التي لطالما استحضرتها هذه
المكونات في صيغ إدانية، تبدو اليوم في حالتها القصوى في ضوء اختلاط التشابك
السياسي الداخلي مع اضطراب في أوضاع الحصن الإقليمي.
ومثلما كان للحدث الإيراني أثر افتراضي في الحد
من سياسة التدخل في الشأن العراقي، تراءى هذا الحدث بالنسبة لأسامة النجيفي (عن
القائمة العراقية) بصفته جزءاً من استمرارية طبعت بميسمها هذه السياسة، لأنها
"مرتبطة بمؤسسات تابعة للمرشد الأعلى وليست مرتبطة بالرئيس القادم"، وهو تذكير في
محله، فيما يغيب عن مثل هذه المهاترات كل تذكير بالمسؤوليّة التاريخيّة عمّا ستؤول
إليه الأمور إذا ما استمر الصراع على طبيعة السلطة في طهران والوجهة المستقبليّة
لسياستها إزاء الجار العراقي، وهي مسؤوليّة ينبغي إن تثير فينا التهيّب، إن لم يكن
الهلع.