المكون الشيعي والشرعية: صورة
إجمالية (2)
زهير
المخ
صحيح أن ظاهرة
استئثار فئة ذات ارتباط طائفي - جهوي واضح، كانت عنوان الحياة السياسية في عراق
صدام حسين، بل كان يصعب تصور بدائل لهذه الظاهرة خارج العودة إلي مزيد من التلاحم
بين الدولة العراقية ومجتمعها المدني بأكثريته الشيعية الواضحة. وبالطبع فإن النسبة
التي حققتها لائحة الائتلاف العراقي
الموحد في الانتخابات الفائتة أقرت بالوزن الشيعي في معادلة السلطة
العراقية الجديدة التي بموجب لعبتها البرلمانية كان عليها أن تساوم وتتحالف من أجل
بناء أكثرية في الجمعية الوطنية تؤهلها إلي ترشيح رئيس الحكومة. لكن الصحيح أيضاً
أن الكتلة الشيعية تحولت، في رحلة معاكسة، من العمل المؤسساتي إلي العنف المجاني
عبر مليشيا جيش المهدي التابعة لتيار مقتدي الصدر ومليشيا منظمة بدر التابعة للمجلس الإسلامي الأعلي بزعامة
عبد العزيز الحكيم.
هكذا تحولت كتلة
شيعية لايستهان بها من الانخراط في العمل المؤسساتي إلي مشكلة للبناء السياسي
الجديد للدولة بعدما نجحت في اجتذاب الناقمين والمهمشين وبعدما تسلل إلي تيارها
الباحثون عن فرصة احتماء أو فرصة استقواء أو ارتزاق، بل تحولت هذه الكتلة تحدياً
يومياً للكيان العراقي في تأسيسه الجديد، ولم تضع حدوداًً واضحة ومحترمة
لاعتباطيتها، أو لهاجسها بالاستمرار في تهديم مؤسسات الدولة حديثة التكوين. هنا لا
بدّ من التوقّف عند العبارة المتكرّرة من أن كلّ أغلبية لابدّ أن تنتج سلطتها:
فالمقولة - المعادلة هذه حين تقال وصفيّاً، تكون صحيحة بوصفها تقريراً لواقع بعينه.
أما حين تأتي علي شكل وصفة إطلاقيّة، فتبدو لاتاريخيّة، كشعاراتٍ لا تعبأ بتحوّلات
المجتمع ولا بقدراته وانقساماته، كما لا تكترث، مثلاً لا حصراً، بمدي بحبوحة
المجتمع المعنيّ وانعكاسها علي طاقة المكونات الأخري لديه، أو باستطاعة هذا المجتمع
بلوغ وسائل سياسيّة تؤدّي الغرض المنويّ بعيداً من اللجوء إلي منطق ثنائية الأغلبية
والأقلية. وليس بلا دلالة، بالمعني هذا، القول إن مجيء السادة الجدد إلي سدة الحكم،
بكل ما انطوي عليه من نتائج عميقة الغور، لم يكونوا في مستوي الانقلاب في الأدوار،
فقد ظل هؤلاء السادة يتصرفون كما كانوا في أيام المعارضة الخوالي، ولم يتغير خطابهم
البكائي علي الرغم من سيطرتهم علي مقاليد السلطة، فيما ظلوا يستثمرون خريطة الفوضي
العارمة في البلاد بمفردات الضحية وروح الانتقام. وبدلاً من ترسيمها الخط الفاصل
بين السياسي والطائفي وتمهّد لموازنة لم تكن دائماً سهلة بين إحراز المكاسب والتمسك
بالتعايش، وبين أن تكون الطائفة الشيعية أكبر طوائف البلد وأن تكون، في الوقت نفسه،
ذات حسّ أقلي وديمقراطية تمليه، بين أمور أخري، طبيعة الوطن وتركيبته، وجدت القيادة
الشيعية الجديدة فكرة المظلومية وصفة جاهزة في بناء خطابها السياسي، حتي
أصبح الشيعي المظلوم، الذي هو إنسان مكسور في داخله، نموذجاً للبطل
والقيادة.
من هنا حدث الاختلال الخطير في
الموازين السياسية والاجتماعية والثقافية. وإذا أضفنا ذواء المحاولات الحزبية
الشيعية التي حاولت الخروج من النزعة الطائفية من أجل تغيير يفضي إلي تطوير حياة
سياسية، تتراءي عناصر السياسة المتمثلة بالفكر المظلومي الأكثري الذي سيساهم عاجلاً
أم آجلاً بتدمير التجربة السياسية برمتها. في هذا المضمار، يجدر بالمرء أن يتذكر أن
هذه المسألة ليست جديدة، وهي مكوّن أساسي من الثقافة السياسية العراقية. ويمكن
طبعاً أن يستنتج المرء أن فكرة المظلوم البطل تخل بالمفاهيم والقيم وتصنع الجلاّد
من مادة الضحية ذاتها. كما أن
الاستمرار في انتهاج سياسة ردود الفعل تؤدي، بحد ذاتها، إلي تفتيت أوسع مما
نراه في النسيج الاجتماعي العراقي اليوم الذي دخل حقبة الحرب الأهلية الباردة
بجدارة. إزاء هذا التنافر الحاد، يصعب الحديث عن إرادة المصالحة الشيعية مع أطياف
أخري يرسم كل منها طريقه الخاص في الاستحواذ علي أكبر قدر من كعكة التشكيلة
الحكومية القائمة، ويتنافس كل منها علي مواقع النفوذ، حتي يخيّل للمرء أن هذه
الأطياف وكأنها مجموعة من الكتل غير المتجانسة تختلط فيها المغامرة بالحماسة
والشعار بالإيديولوجيا، فيما يغيب الفكر السياسي عن كونه ضابطاً لإيقاعات التحرك
الآني أو المستقبلي لها. وربما تصح هنا إشارة العديد من المطلعين علي الملف الحكومي
العراقي إلي أن كتلة الائتلاف الشيعي هي ربما من أكثر الفئات العراقية تحقيراً
لدولة المؤسسات وفي الوقت نفسه من أكثرها ولعاً بالحصول علي مناصب
فيها.
كيف يمكن أن نفسّر
هذا المنحي المتناقض؟ قد نجد بعض عناصر الإجابة في ظاهرة استئثار عصبية فئوية
بالسلطة التي كانت عنوان الحياة السياسية في عراق ما بعد 1958. هذه الظاهرة التي
جري طمسها في الثقافة السياسية العراقية الرائجة لم تتمكن الإيديولوجيا من إخفائها
عن عين الناظر إلا قليلاً، حيث جري التركيز علي المكون السني باعتباره موئلاً
لأرجحية تاريخية مفترضة في مجال قيام الكيان العراقي واستقلاله وتثبيت
دعائمه.