الخداع
في الخطاب السياسي العراقي
وليد
الزبيدي
قبل
سنتين ونصف السنة ، سألتني إذاعة البي بي سي البريطانية عن التغيير الذي
طرأ على خطاب النخب العراقية إزاء الأوضاع في العراق ، وقلت كلاماً ، تذكرته وأنا
أقرأ تشخيصاً لمسؤول أميركي تحدث عن الموقف الحقيقي
للسياسيين العراقيين من مسألة الوجود الأميركي في العراق ، وقال ستيفن بيدل من مجلس العلاقات الخارجية ما نصه ( يتحدث السياسيون
العراقيون للجمهور المحلي عن مدى بشاعة الاحتلال وإلى أي مدى يودون إنهاءه ، ثم
يقولون للأميركيين سراً " لا ترحلوا .. لا ترحلوا ... لا ترحلوا ".)
أنا
لاأعرف الدوافع الخفية التي أجبرت هذا المسؤول الأميركي على الاعتراف علناً بحقيقة مرة ، تعبر عن
انتهازية مفضوحة ، لا يمكن أن تنطلي على الساذج من الناس ، فكيف بالمتابعين
والمهتمين والمكتوين بنار الانتهازية السياسية ، التي تتصاعد في العراق منذ أول
أيام الاحتلال وحتى الآن. لكن ما أستطيع قوله ، إن الأميركيين ، يشعرون بمرارة ليس
لها آخر ، نتيجة اعتمادهم على أشخاص وأحزاب وسياسيين ، رسموا لهم الصورة الوردية في
احتلال هذا البلد وبسط السيطرة عليه ونهب ثرواته ، وتسخير كفاءاته وطاقاته لخدمة
المشروع الأميركي الكوني ، لكنهم اكتشفوا في نهاية المطاف ، أن هؤلاء لم يتمكنوا من
الجلوس على كراسيهم وهم في حالة طمأنينة ، وأنهم غير قادرين على كسب ود عراقي واحد
، لا يرتبط بمصالح معيشية آنية مع هذا الحزب أو ذاك، وهذا السياسي أو سواه. وأن
هؤلاء عبارة عن قشة تذروها الرياح ، فلا مستقر لهم في الأرض ولا مستقبل لهم في
دهاليز السياسة ، والعقبة التي تمور في فم هذا المسؤول الأميركي ناجمة عن متابعة لخطابات البعض ، الذين أخذوا
في الآونة الأخيرة يتحدثون ضد الاحتلال بصوت عال، إلا أنهم يسارعون بالذهاب الى السفارة الأميركية للاعتذار من موظف الاستقبال عن الكلام
الذي قالوه في خطبهم ويقسمون بأغلظ الأيمان ، أن قلوبهم ومشاعرهم وأفكارهم
ومشاريعهم ليست كذلك ، وموظف الاستقبال يسارع بدوره إلى نقل ما سمعه من جميع أطراف
العملية السياسية ، الذين يتظاهرون بهذا الموقف ، الى
كبار المسؤولين في السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء
، فيتأمل المسؤولون الصورة ، ويقهقهون من أعماقهم ، لكن
هذه المرة بمرارة ، لأن هؤلاء يطالبون الأميركيين في كل يوم ويتوسلون اليهم بعدم الرحيل ، لهذا كرر ستيفن بيدل من مجلس العلاقات الخارجية كلمة ( لا ترحلوا ) ثلاث مرات
، وهي توسل ما بعده توسل بالأميركيين للبقاء، وعدم ترك هؤلاء في مهب عواصف
العراقيين.
أما
الذي قلته قبل سنتين ونصف في البي بي سي ، فقد أنصب على إدراك لبعض
النخب العراقية لخطورة الاحتلال وهمجيته وإجرامه ، فعادوا يتحدثون عن هذه القضية
بموضوعية ، وبالتأكيد هذا شعور بالمواطنة ولا علاقة له بالانتهازية السياسية ، التي
تلعن الاحتلال أمام الجمهور لتحقيق مكاسب انتخابية ، وتسارع إلى تقبيل أيادي موظف
الاستقبال في السفارة الأميركية والاعتذار منه.
wzbidy@yahoo.com
هل
ترغب في التعليق
على الموضوع؟
اضغط رجاء.