مصالح
أو بدون مصالح على أمريكا الانسحاب من العراق
أبو
محمد المقدادي
مع
اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في بداية شهر تشرين الثاني/نوفمبر القادم يزداد
النقاش في أمريكا حول ما يجب عمله في العراق. ففي محاولة من باراك أوباما المرشح
الديمقراطي للرئاسة الأمريكية القادمة لتحديث موقفه من الحرب والداعي لسحب القوات
الأمريكية المحتلة من العراق خلال فترة 16 شهراً (1)
صرح قبل عدّة أيام بأنّه يريد تنقيح موقفه من الحرب وينوي القيام بزيارة متوقعة
قريباً إلى العراق للاطلاع بنفسه على الأوضاع ولأخذ الحقائق على الأرض بنظر
الاعتبار. فقال:
"عندما أذهب إلى العراق وتسنح لي الفرصة للحديث مع بعض القادة
الميدانيين أنا متأكّد ستكون لدي المزيد من المعلومات وسأستمر بتنقيح
سياساتي".
واعتبر
الكثير من المناهضين للحرب هذا التصريح دليلاً على أنّ باراك أوباما بدأ بتغيير
موقفه مع موعد اقتراب الانتخابات. وهو ما استدعى من فريق أوباما وقادة حملته
الانتخابية إلى الإسراع بدفعه لتوضيح الأمور وتنقية الأجواء. فخرج باراك أوباما قبل
أيام قائلاً:
"أريد
وضع حدّ لهذه الحرب. في اليوم الأول من تسلمي الرئاسة
ساستدعي كافة رؤساء الأركان وسأطلب منهم القيام بمهمة جديدة وهي إنهاء الحرب – بشكل
مسؤول وبتأني ولكن بطريقة حاسمة".
وأضاف:
"إنّ سرعة الانسحاب ستمليها سلامة وأمن قواتنا والحاجة للحفاظ على الاستقرار". (2).
وفي
مقال افتتاحي لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية يوم أمس الثلاثاء دافعت الصحيفة عن موقف
أوباما الجديد واعتبرته "خطوة مهمة نحو تعديل موقفه القديم". ولكنها ترى "أنّ هذه هي خطوة متواضعة ولكن
واقعية نحو اتخاذ موقف مسؤول بشأن النزاع الذي أردنا أم لم نرد يتضمن مصالح
الولايات المتحدة الحيوية".(3).
وهنا
نرى أنّ الصحيفة تطرح أفكاراً تتماشى مع أفكار السياسيين اليمينيين المتنفذين ودعاة
الحرب وأنصارها والمحافظين الجدد الصهاينة بالدعوة المكشوفة للإبقاء على الاحتلال
للحفاظ على "مصالح الولايات المتحدة الحيوية". ولكن أين
هي المصالح الحيوية للعراق وشعبه الذي وقع تحت الاحتلال الأمريكي منذ أكثر من خمس
سنوات؟ وتمّ خلالها تدمير الدولة العراقية ومؤسساتها الحيوية المدنية والعسكرية
ويعيش العراقيون اليوم في ظلّ ظروف الحرب اللاإنسانية حيث فقدوا كل متطلبات الحياة
التي تليق بالإنسان. وأمريكا هي المسؤول الأول عن كل
ذلك.
إنّ
المسؤولين الأمريكيين يميناً ويساراً وحتى الصحافة "الحرة" لا يعيرون أي اهتمام
للبلد والشعب الذي احتلته قوات بلدهم ودمرته وتدمره يومياً. يكذبون على أنفسهم
بالأمن في المدن العراقية الذي نتج عن زيادة القوات، وما هو في الواقع إلا حالة
غريبة عجيبة من خلط الأوراق وشراء الذمم واستخدام سياسة الترهيب والترغيب مع أذناب
الاحتلال في كافة الأطراف المشاركة في العملية السياسية للمحتل. أما تطوّر قدرات
القوات المسلحة العراقية العميلة وتمكنها من "فرض القانون" ومحاربة "الخارجين على
القانون" فهي ليست سوى كذبة أخرى من أكاذيب الاحتلال وأذنابه الخونة. فليس للقوات
العراقية العميلة أية قدرات ذاتية على فرض السيطرة والأمن في البلاد، ولولا القوات
الأمريكية المحتلة وتقنياتها العسكرية البرية والجوية وتدخلها المباشر في العمليات
العسكرية التي جرت في معظم مدن العراق ومنها البصرة وبغداد مدينة الصدر والموصل
والعمارة ولولا التدخل المباشر من أجهزة الأمن الإيرانية ذات النفوذ الواسع في
العراق فما كان ممكناً للقوات العراقية العميلة أن تسيطر على شبر واحد من أرض أية
مدينة من تلك المدن. ولولا شراء ذمم شيوخ العشائر في الأنبار وغيرها وإنتاج ما يسمى
بقوات الصحوة ودفعها لمحاربة المقاومين للاحتلال بدلاً من الاستمرار بالمقاومة لما
تمكّنت القوات الأمريكية من الحديث عن التحسن في الوضع الأمني في
العراق.
إلا
أنّ الساسة الأمريكيين وأبواق الصحافة "الحرة" لا يهمها طبيعة وأسباب "التحسن
الأمني" أو مدى ديمومته ومتانته. المهم أنّ القوات
الأمريكية لا تواجه في الوقت الحاضر نفس المقاومة السابقة. أما الأموال التي أنفقت
لشراء ذمم أصحاب الصحوة فهي ليست سوى فلسان مقارنة بالبلايين التي كانت تنفق على
العمليات العسكرية ناهيك عن القتلى والجرحى في صفوف الجنود والخسائر الكبرى في
المعدات.
ولكن
رغم التشدّق بالتحسن الأمني إلا أنّهم لا يريدون الانسحاب من العراق أو على الاقل
يجب أن لا يحصل الانسحاب بسرعة! فتمضي الصحيفة بالقول:
"سيكون
من الخطأ البدء بالخروج الإجباري من البلاد بدون الأخذ بنظر الاعتبار مخاطر تجدّد
الحرب الطائفية وتصاعد التدخّل في البلاد من قبل إيران وجيران العراق الآخرين." نفس
المصدر.
وطبعاً
هذه أكاذيب أمريكية أخرى. فمحاولة التباكي على وقوع الحرب الطائفية وتدخل جيران
العراق في شؤونه ما هي إلا نفاق محظ. ألم يكن الاحتلال
الأمريكي هو السبب في الحرب الطائفية والتدخل الأجنبي في العراق؟ انسحبوا اليوم
وسيختفي كل ذلك غداً. وإن لم تصدقوا جربوا. هل يمكن لعميل
واحد للاحتلال أن يبقى في العراق يوماً واحداً بعد رحيل القوات الأمريكية؟ هل يمكن لإيران وغير إيران أن تبقى في العراق بعد خروج أمريكا؟
كلا وألف كلا. فالعراقيون يوم التحرير سيكسرون قيود الاحتلال فوراً ويصبون جام
غضبهم على كل من ساعد المحتلين على تدمير البلاد... هذا
إذا بقى في العراق أي من الخونة.
وهنا
يكمن سرّ الضجة حول تصريحات باراك أوباما بشأن الانسحاب من العراق. فهذا الرجل الذي
يمكن أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة الامريكية خلال ستة أشهر فقط يجد نفسه اليوم
تحت ضغوط شديدة لتغيير موقفه الداعي للانسحاب من العراق في فترة 16 شهراً. وهذه
الضغوط هي وراء محاولاته تحديث موقفه كي يصبح قادراً على
إرضاء أعداءه والفوز بمنصب الرئاسة في الانتخابات القادمة. هذه من مشاكل الانتخابات
طالديمقراطية" في الغرب وطموح الناخبين في الفوز بأي
ثمن!
إنّ
على الأمريكيين من مختلف الجهات والأطراف السياسية أو شركات النفط أو الصحافة
"الحرة" أن يدركوا حقيقة واحدة واضحة وضوح الشمس وهي أنّ أمريكا قد احتلت العراق
بدون وجه شرعي ونصّبت فيه خونة وأشراراً يحكمون ويسرقون ثروات البلاد ويدمرون أجهزة
الدولة والملكية العامة للشعب العراقي وقضوا على كل أجهزة التعليم والصحة ومراكز
العلم والمعرفة والتراث التاريخي للعراق. عليهم أن يفهموا بدون أي كبرياء فارغة
أنهم خسروا الحرب أمام العراقيين وأنّ أمريكا المحتلة هي المسؤول الأول عن دمار
العراق وقتل ما يزيد عن مليون عراقي وتشريد حوالي 6 مليون آخرين داخل وخارج البلاد.
وأمريكا مسؤولة مسؤولية مباشرة عن نهب ثروات العراق والتخطيط للبقاء فيه بشكل دائم
واستخدام أرض العراق كقواعد عسكرية لقواتها في المنطقة وهو ما يرفضه الشعب العراقي
جملة وتفصيلاً ويطالب بالانسحاب الفوري والكامل لقوات الاحتلال وتحميل أمريكا كافة
تبعات الحرب ودمار العراق.
دروس
التاريخ الكثيرة تعلّمنا أنّ شعب البلد المحتل من قبل الأجنبي يقاوم الاحتلال، وحتى
لو بقى أفراد قلائل يقاومون سيصبحون في يوم من الأيام قوة شعبية عارمة تلحق الهزيمة
بالمحتل وتجبر قواته على الخروج. والشعب العراقي لا يختلف
إن لم يتمتع بوطنية عالية وبروح مقاومة الأجنبي المحتل قلّ نظيرها بين الشعوب.
بعد خسارة الوطن لن يرضى العراقيون بأقل من التحرير
الكامل من كل دنس الاحتلال والمحتلين. ولا يهم الشعب العراقي في الوقت الحاضر أي
شيء أكثر من تحرير بلاده من الاحتلال وتمكّنه
من استعادة أنفاسه وتضميد الجراح، ومصالح العراق والعراقيين تأتي أولاً وقبل كل شيء
ولا يعير شعبنا أي اهتمام لما يسمى بالمصالح الاستراتيجية للمحتلين والقتلة وتجار
الحروب وأذنابهم الخونة. فهذه هي شأنهم وليس للعراق وشعبه أية مصلحة
فيها.
_______________________________
المصادر:
الرقم يشير إلى وصلة المصدر على الإنترنت.
(1)
أخبر السيد ديفيد بلاوف مدير حملة أوباما الانتخابية الصحفيين يوم 7 آذار/مارس
الماضي بأنّه "كان واضحاً جداً مع الشعب الأمريكي إذا تم انتخابه رئيساً. سنخرج من
العراق كما قال ضمن إطار زمني لسحب القوات بحدود 16 شهر كحد أقصى. ويجب أن لا يكون هناك أي تشوش حول هذه القضية الواضحة
جداً".
(2)
تقرير لوكالة أنباء رويترز منشور في صحيفة بوسطن غلوب
الأمريكية.
(3)
المقال
الافتتاحي لصحيفة واشنطن بوست يوم 8 تموز/يوليو 2008.
السادس
من رجب 1429 هـ الموافق 9 تموز 2008 م