الأكراد يريدون ضم الموصل وتأمين سيطرتهم الفعلية على الارض بوثيقة قانونية

الأهداف الخفية للاتفاقية الأمنية

 

وليد الزبيدي

 

اختتمت محاضرتي بالقول، علينا ان ندقق في حقيقة شعارات ومواقف وطروحات الدول والمؤسسات والأفراد، الذين يتحدثون ويطلقون البيانات والشعارات المضادة للاتفاقية الأمنية طويلة الأمد بين الادارة الأميركية وحكومة بغداد، التي يجري التباحث بشأنها، ولاحظت ان العديد من الباحثين، الذين يشاركون في الندوة التي أقيمت في بيروت الاسبوع الماضي ، قد أعادوا طرح ذلك خلال نقاشات جرت بيننا على هامش الندوة، ووجدت من المناسب ايضاح ذلك ، لما له من اهمية في هذا الموضوع.

ان القول، بأن هناك حملة لافشال المباحثات، وان دولا مثل ايران ، لاتريد اقامة قواعد اميركية في العراق ، يذهب في فراغ التعتيم ، ولايأتي على الواقع بشيء، وعلينا ان نشرح مايجري لجميع الاطراف وللرأي العام، ونقول، ان هدف البقاء الاميركي في العراق ، يذهب باتجاهين متساوقين ، اولهما حرص الادارة الاميركية، على استبدال الاحتلال العسكري المباشر، باحتلال إداري يشمل جميع مفاصل الدولة العراقية ، ابتداء من الادارة والتربية والتعليم والشؤون الدينية والاقتصاد والاجتماع ، وهذا لايمكن ان يتحقق له النجاح بدون وجود قواعد عسكرية، وهنا يأتي الاتجاه الثاني المتمثل بوجود الاداة المناسبة، لتحقيق الهدف الاول، وهذا يتحقق باستمرار العملية السياسية، التي صنعها الاحتلال الاميركي في العراق ، منذ تأسيس مجلس الحكم الانتقالي، تحت قيادة الاميركي بول بريمر في يوليو عام2003، ومن ثم الحكومة الانتقالية بزعامة اياد علاوي، وبعد ذلك مراحل العملية السياسية، التي تناسلت بطريقة الاستنساخ السياسي من قانون ادارة الدولة ، الذي صاغه اليهودي الاميركي من اصل عراقي البروفسور نوح فيدلمان ، ووضع فيه أسس وتشعبات العملية السياسية، التي أنتجت حكومتين هما، حكومة إبراهيم الجعفري عام2005، ومن ثم حكومة نوري المالكي من2006 وحتى الان.

هذه العملية السياسية بصياغتها الحصصية الطائفية والعرقية هي الأداة الأمثل لتحقيق المآرب الأميركية في العراق ، إلا ان المقاومة العراقية ، التي انبثقت بقوة في وقت مبكر ، تمكنت من الحاق الهزائم الكبيرة بجيش الاحتلال الأميركي، وسرعان ما انكشفت أخطار وعورات الاحتلال وعمليته السياسية، التي وضعت العراق على حافة الاحتراب الطائفي والعرقي، واحتل ذلك البلد المرتبة الأولى بين دول العالم في الفساد الاداري والمالي، اضافة الى الأرقام الفلكية من القتلى والأرامل والمهجرين والمعتقلين والمغيبين.

ان أي خلخلة في الأسس التي وضعوها في مرتكز العملية السياسية، يذهب بها الى الضفة المتناقضة الاخرى ، أي التخلص من امراض العملية السياسية المقيتة ، والمجيء بعقول عراقية وطنية تقود العراق ، مايعني الرفض التام للمشروع الأميركي ، والمتمثل بالعملية السياسية، التي حظيت بدعم الكثير من الدول العربية، والدعم والتأييد المطلق من ايران، رغم معرفتهم بان هذه العملية هي من صناعة وانتاج الشيطان الأكبر، وسنأتي على تفاصيل حرص ايران وهذه الدول على ابقاء قواعد عسكرية اميركية في العراق.

لابد من التأكيد على ان الدول والاطراف ، التي أيدت ودعمت العملية السياسية في العراق ، التي أنشئت في ظل الاحتلال الاميركي منذ يوليو 2003، تحرص على استمرار هذه العملية ونجاحها، وتتفق هذه الدول والاطراف مع المشروع الاميركي في العراق، وهذا ماشرحته خلال ندوة بيروت الاسبوع الماضي، والكلام يدخل في ميدان النقاط العلمية الواضحة، ولايذهب باتجاه الكلام الانشائي المجرد.

لهذا فانه لابد من التنبيه الى ان ليس كل من يتحدث ضد الاتفاقية الامنية بين الولايات المتحدة وحكومة بغداد، يعني يريد انهاء الوجود الاميركي في العراق، وان اصحاب المصالح في العراق ، يحرصون على بقاء هذه القوات والحصول على قواعد عسكرية لضمان استمرار العملية السياسية ذات الاسس الطائفية والعرقية في العراق ، وهذا مايخدم مشروع تلك الدول والاطراف ، ولهذا فانه لايوجد تفسير اخر ، لدعم ايران التي ترفع شعارات العداء للشيطان الاكبر في خطابها السياسي ، وسرعان ماتتناقض الى ابعد درجة مع ذلك في سلوكها السياسي ، عندما تقدم جميع انواع الدعم والرعاية والاسناد ، لانجاح عملية سياسية منتجة في دوائر مخابرات الشيطان الاكبر.

كما اخذ هذا الدعم اوجها اخرى ، من بينها زيارة الرئيس الايراني احمدي نجاد المنطقة الخضراء المحتلة ، وسبق ان شن نجاد هجوما غير مسبوق على جميع المقاومين العراقيين والسياسيين المعارضين للاحتلال ، ووصفهم امام وسائل الاعلام بـ(الفاسدين والمفسدين) ، لانهم يقفون ضد المشروع الاميركي في العراق ، ويقاومون هذا المشروع ، الذي لم يتردد الاميركيون من اعلان صراحة، انهم احتلوا العراق لتأمين حماية اسرائيل، في حين يخرج هذا الموقف من الدوائر الايرانية، التي تعلن العداء لاسرائيل في خطابها السياسي.

ان تفكيك الصورة بهذا الشكل، يوضح حقيقة الموقف الايراني من قضية المعاهدة الامنية الاميركية مع حكومة بغداد ، ويؤكد حرص ايران على مايضمن استمرار العملية السياسية ذات الصناعة الاميركية ، وهنا يتطابق ويتوافق المشروع الايراني مع ماتريد تحقيقه الادارة الاميركية في العراق، وقد يستغرب الكثيرون من هذا الكلام معتقدين ان القواعد العسكرية تخيف ايران، وهذا ماسنتناوله.

ان جوهر موضوع الاتفاقية الامنية بين الادارة الاميركية وحكومة بغداد، ينحصر في حدود اقامة قواعد عسكرية اميركية في مناطق مختلفة من العراق، ومن يعتقد ان ثمة عداء ايراني- اميركي، يخرج بالاستنتاج الذي يقول ان ايران تخشى من احتمال استخدام هذه القواعد في توجيه ضربات جوية ضد ايران ، او قد تستخدم هذه القواعد في شن الحرب على ايران ، ويمكن تفنيد هذه القناعة من خلال الاتي:

اولا: ان الادارة الاميركية ، وبعد تجربتها المريرة والقاسية في غزو العراق واحتلاله وما اصابها من هزائم منكرة امام المقاومة في العراق ، لايمكن ان تفكر باحتلال دولة اخرى على الاقل خلال الخمسين سنة المقبلة، وهذا ماخرج به كبار المفكرين والمحللين الاستراتيجيين، ولهذا لايمكن ان يعتقد عاقل واحد، ان اميركا ستذهب بقواتها لغزو ايران واحتلالها من الارض ، وهذا الامر اصبح واضحا ولايحتاج الى المزيد من التوضيح ، فخسائر اميركا البشرية من قتلى ومجانين ومعاقين ووصول هيبتها الى الدرك الاسفل ، وخسائرها الاقتصادية الهائلة، لن يسمح لها بخوض تجربة مريرة وقاسية اخرى، لافي ايران ولافي أي بقعة من الارض.

ثانيا: اذا افترضنا ان الادارة الاميركية تريد توجيه ضربات جوية ضد ايران، فان الفهم العسكري البسيط، يقول بان القوات الاميركية ، سوف لن تستخدم قواعدها في العراق لضرب ايران ، وان استخدامها للقاصفات العملاقة في مثل هذه الهجمات من نوع(الشبح والبي وانB1)، سيكون من قواعد اميركية بعيدة، فهي تقلع من المحيط الهندي ومن القاعدة الاميركية في اسبانيا وقواعد من داخل الولايات المتحدة، وهنا تنتفي الحاجة العسكرية لقواعد في العراق تستخدم لضرب ايران، اما اذا أرادت استخدام قواعد تقليدية، فان قواعد اميركا في الخليج اقرب الى ايران مثل العيديد والسيلية في قطر ، وهي جاهزة ، ولاتحتاج الى كل هذه المجازفة للابقاء على قواعد عسكرية غير مرغوب بها في العراق ، وسوف تبقى هدفا للمقاومة في العراق ، مايلحق الكثير من الخسائر بالقوات الاميركية ، التي يفترض انها ستبقى في هذه القواعد.

من هنا، نجد بان هدف هذه القواعد ، لايقع ضمن استخدامها لغزو ايران اوغيرها من دول جوار العراق ، ولن تستخدم في القصف الجوي لايران او غيرها، اذن ماهو الهدف من الابقاء على هذه القواعد التي يجري التباحث بشأنها، هذا مانأتي على مناقشته.

اذا كانت القواعد العسكرية الاميركية في العراق ، موضوع النقاش لاتستخدم في شن هجمات جوية، أي ان القاصفات العملاقة لن تقلع منها، وان هذه القواعد لاتستخدم في شن غزو او حرب ضد ايران او غيرها ، فما هو الهدف الرئيسي من الابقاء على قوات اميركية ضمن قواعد محددة داخل الاراضي العراقية.

ان الهدف الرئيسي لهذه القواعد، هو المحافظة على العملية السياسية، التي صنعتها ادارة الاحتلال الاميركي في العراق، وحرصت العديد من دول المنطقة على تأييدها، ودعمتها ايران على اوسع نطاق ، وان استمرار المشروع الاميركي في العراق والمنطقة، لن يتم دون وجود اداة طبيعية بيد الادارة الاميركية، وهي العملية السياسية في العراق ، ربما ان ايران حرصت على استمرار ونجاح هذه العملية، ودعمتها منذ ان ارسلت وفدا رسميا لمباركة مجلس الحكم الذي اسسه بول بريمر في يوليو2003، وقدمت الدعم للمراحل الاخرى من العملية السياسية، التي تجري في ظل الاحتلال، فانها تتفق مع الادارة الاميركية في ضرورة استمرار هذه العملية السياسية، وبما ان اهداف المقاومة في العراق ، لاتتوقف عند حدود هزيمة المحتل الاميركي في ميدان المنازلة العسكرية فقط ، وانما تذهب الى اقتلاع زرع الاحتلال بمختلف اشكاله وألوانه ، وفي المقدمة منه العملية السياسية ذات الاسس والبرامج الطائفية المقيتة، فان اميركا ومن معها من الداعمين والمساندين للعملية السياسية، يحرصون على اقامة قواعد عسكرية في العراق ، لمطاردة فصائل وجيوش وكتائب المقاومة في العراق ، ومحاولة القضاء عليها خدمة للعملية السياسية اداة مشروع الاحتلال في العراق.

لهذا فان مهمة هذه القواعد، تنحصر في تنفيذ عمليات دهم ومطاردة واعتقال كل من يقاوم الاحتلال ويناهض مشروعه، ويتطلب ذلك وجود قوات برية من هامرات وناقلات اشخاص مدرعة، وتقدم لها الاسناد الجوي الميداني المروحيات، التي توفر الغطاء الجوي لأرتال القوات البرية الاميركية، خلال تنفيذ هجماتها التي تستهدف المقاومين في مناطق العراق.

من هنا، نعرف طبيعة هذه القواعد واهدافها، لحماية المشروع الاميركي في العراق، الذي يحظى في ذات الوقت بالدعم من قبل بعض دول الجوار ، مايؤكد ماذهبنا اليه، في بداية حديثنا من ان مواقف وطروحات وبيانات العديد من الدول والجهات المعارضة للاتفاقية الامنية بين الادارة الاميركية وحكومة بغداد، ليست بالصورة التي تقدمها تلك الشعارات، وانما تريد قواعد عسكرية اميركية تحمي العملية السياسية التي صنعها الاحتلال الاميركي في العراق.

هذه خلاصة النقاط والافكار، التي طرحتها في محاضرتي خلال ندوة بيروت التي انعقدت الاسبوع الماضي وشارك فيها عشرات الباحثين.

 

wzbidy@yahoo.com

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟ . . . اضغط رجاء

03.07.2008