مَن يُنقِذُهُن مِن أيدِي البَرابِرة الجُددْ ؟
سيار الجميل
* اعتقال امرأة
عراقية واحدة يعطي مبرراً كبيراً لولادة ألف مسلح انتقاماً لشرفه
وكرامته*
(إحدى الدراسات
الميدانية.)
ثمة معلومات وحقائق لا
نسمعها إلا نادراً، وكثيراً ما نجهل الصورة الحقيقية التي تختفي، ولم نقف إلا على
الوجه اللامع من الأحداث.. إن الإعلام في مجتمعاتنا مقّصر
كثيراً في الكشف عن الحقائق التي لا يريد البعض إظهارها سواء في المجتمع أم الدولة
كونها لا تخدمه أبداً. إن نصف المجتمع ينسحق يوماً بعد
يوم منذ أزمان، ودفعت المرأة العراقية أثماناً صعبة
جّراء متغيرات الحياة المتباينة، وبشكل لا يمكن تخيله.
أتمنى على كل العالم أن يلتفت قليلاً ويعالج هذا
(الموضوع) للتخفيف من معاناتها وشقائها الذي لا يوصف وحجم المأساة التي تزداد يوماً
بعد آخر مقارنة بغيرها من نسوة العالم.
لقد عرفت المرأة العراقية في القرن العشرين بطيبتها وقدراتها وشهامتها
وكرامتها وتمتعها بقسط من حقوقها وحرياتها، كما كان لها دورها في صنع الحياة وتربية
الرجال فضلاً عن بروز نسوة رائعات منتجات ومبدعات في معظم المرافق الخدمية والمهنية
والأكاديمية والثقافية والعامة ومساهمتها في إثراء حياة الدولة والمجتمع معاً..
ولقد بدأت انتكاسات المرأة العراقية تترى، منذ اجتياحات الحروب والحصارات والأحكام الدكتاتورية الجائرة وصولاً إلى هجمة الغزو
وحكم الميليشيات والقوى الطائفية المتخلفة.. إنها اليوم تناضل وتسحق وتختطف وتذبح
أو تحرق أو تسمّم وتسجن وتهّجر وترّمل وتضطهد أو تنتحر.. إنها تجابه كل المصائب
المرعبة بإرادة حديدية لا تقهر في دواخل المجتمع الذي
يسيطر عليه البرابرة الجدد ! إزاء دولة ضعيفة ومحتل غاشم.
إن حرائر العراق يعانين من البؤس والشقاء والحرمان دون أن
يلتفت العالم كله إليهن أبداً.. بل ويسود الخوف ويسيطر الرعب على مشاعرهن، وهن
يواجهن الموت في بيوت بائسة وكئيبة، أو في شوارع الموت
الملتهبة.
المرأة العراقية تواجه
العنف والسادية والهمجية في مجتمع يمتلئ بالمفترسين
والمتعصبين والأشقياء والإرهابيين.. ويمتلئ بعصابات القتلة وجماعات المسلحين..
ويمتلئ بالمجرمين والمنحرفين والمكبوتين الآثمين الذين لا يعرف أحد من أين يأتون..
انه مجتمع، لا يمكن للإنسان أن يعبر فيه عن رأي، أو أن يدافع فيه عن حق، أو يطرح
فكر إنسان حر، أو أن تمارس الأقليات الدينية خصوصاً حقوقها التي تتضمن عاداتها
وأعرافها.. في مجتمع امتلأ بالمافيات وفرق الموت
المسلحة.. في مجتمع يزداد فيه قتل النساء ونحر النساء وانتحار النساء.. الخ. ان الكل مشارك باضطهادها بدءا
بالسلطات وانتهاء بالمافيات ووصولا إلى قوات الاحتلال.. لقد شارك زعماء أحزاب ومسؤولون ووزراء بقهر حتى الصبيات الصغيرات، أو طالبات
الجامعات.
ويظهر الواقع قصصا
اشبه بالخيال عن نسوة لهن قابلية على الصمود والتحمل
والتحدّي يثير الإعجاب حقا.. بل ان تقريرا وصلني قبل
يومين من قبل القاضية القديرة زكية إسماعيل حقي وهي تتحدث فيه عن لقائها بـ 12 من العراقيات يقرن منذ
شهور في معتقل كروبر الذي تشرف عليه القوات الأميركية دون اي تحقيق، وكلهن قد اعتقلن لوشايات شخصية وأسباب تافهة، ولا
تعرف المتزوجات منهن مصير أزواجهن أو أطفالهن ويخشى عليهن ومعهن العذراوات من القتل
بأيدي أهلهن بعد إطلاق سراحهن، لأن اعتقال المرأة لا
يغتفر في الأعراف العشائرية.. وافجع مأساة شهدتها القاضية لشابة بدوية مقطوعة الساق
من الأعلى اعتقلت بعد ان قصفت الخيمة التي تعيش فيها
بمعية أهلها، فبترت أطراف أختها وتشرد اهلها وسحبت هي لتعتقل مع أوصالها ودمائها ! ومع كل هذا، فهن يصرحن بأن معاملتهن أهون بكثير مما لو كّن في
سجن عراقي ! لقد تكيّفت العراقيات منذ ثلاثين سنة على التحديات، وكن ينتظرن دفن
الماضي وبناء المستقبل، ولكن وجدن أنفسهن اليوم محاصرات بقوى الظلام المختلفة التي
وجدت فرصتها على العهد الأميركي.
ان تقرير بعثة الامم المتحدة لدعم العراق عام 2007، وشهادات العراقيات كافية
لتعلمنا ما حّل بالمعتقلات اللواتي لا يحصى عددهن.. لقد بدأ قتل النساء جماعيا
وعلنا في شوارع البصرة، ثم زحف نحو الشمال حتى الموصل، فقد ذكرت إحصائية لوزارة
حقوق الإنسان إلى تعرض(501) امرأة إلى عمليات اضطهاد، وتعرضت(1108) امرأة في السليمانية عام 2005 إلى عمليات قتل وحرق وخطف. وأقدمت (533)
امرأة عام 2004على الانتحار و(289) امرأة عام 2005 و(533)
امرأة عام 2006. ولقد كثرت جرائم الشرف لأسباب تافهة لا يمكن تخيلها، يقول احد
التقارير بأن مئات النساء تقتل كل عام في العراق، يحرقن أو يرجمن، أو يتم تسميمهن،
أو يذبحن، أو يتم تقطيعهن ارباً اربا بالسكاكين، لأسباب دينية أو اجتماعية.. وكثيرا ما تساق
النسوة مع أطفالهن أو بدونهم إلى المعتقلات رهائن للفارين من أزواجهن أو إخوانهن أو آبائهن.. وكثيرا ما تغدو النساء سلع ابتزاز في الخطف والاعتقال والقتل.
ان المجتمع العراقي لم
يكن بهذا التوحش قبل خمسين سنة، ولكن مخاض الأوضاع المرعبة التي مرّ بها جعلته يعيش
هذه الفوضى الخلاقة التي خلقها الأميركيون بسياساتهم
العقيمة.. إنني أناشد الضمير العالمي والإسلامي والعربي ان يقف وقفة مشّرفة إزاء المرأة
العراقية المضطهدة منذ سنين.. وأناشد كل العراقيين الشرفاء ان يجتمعوا على مشروع وطني مدني متحضر ينقذ العراق من أوضاعه
المأساوية، ويخلّصه من همجية هذه القوى البدائية ومن كل البرابرة الجدد !
مؤرخ عراقي
www.sayyaraljamil.com
هل
ترغب في التعليق
على الموضوع؟
. . . اضغط رجاء