المعتقلون الأشباح والهلال الأحمر

 

جاسم الرصيف

(كارل ليفين)، السيناتور الديمقراطي، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي قال مؤخرا، خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ، تعقيبا على دراسة لممارسات الجنود الأمريكان في سجن ابو غريب وغوانتنامو، ان هذه القوات: (لاتزال تستخدم اساليب التعذيب خلال التحقيقات التي تجريها في المعتقلات التي تديرها حول العالم، على الرغم من التوصيات التي اقرها محامون مدنيون تابعون للبنتاغون برفض استخدام هذه الأساليب). واذا كان هذا الإصرار على تعذيب اسرى الحرب يلحق الضرر بالأسرى مباشرة مع ذويهم ومجتمعاتهم، الا ان آثاره الموازية تلحق الضرر بأمريكا نفسها على دلالة زرع الكراهية المتعمد من جانب من يمارسون التعذيب، في العالمين الاسلامي والعربي، ودلالة اعتراف (ليفين) نفسه في ذات الجلسة إذ يقول (انه في حالة مواصلة استخدام هذه الأساليب.. فإن ذلك سيوجه رسالة الى العالم بأن واشنطن قد سمحت بها، ما سيعرض الجنود الأمريكان لخطر التعرض للمعاملة نفسها في حال اعتقالهم.. كما انه سيضعف السلطة الأخلاقية للولايات المتحدة ويفقدها حلفاءها في الحرب ضد الارهاب).

 وحمّل (ليفين)، وفقا للمعلومات التي حصل عليها، وزير الدفاع السابق (دونالد رامسفيلد) المسؤولية عن ذلك، لأنه سمح بهذه الأساليب رغم اعتراضات محامي البنتاغون المدنيين، الذين اشار واحد منهم في الجلسة ذاتها الى ان ما جرى ويجري يرقى الى مستوى (التعذيب المحرم دوليا)، او بمعنى آخر الى مستوى جرائم الحرب التي اطلق (رامسفيلد) عجلتها فلم تتوقف لحد الآن، بحق مئات الألوف من اسرى الحرب في العراق وافغانستان، ومنها محاكاة الإغراق والحرمان من النوم والحواس وارغام المعتقلين على الوقوف في وضعيات صعبة لساعات طويلة والصفع على الوجه، والانتهاكات الجنسية بطبيعة الحال. والى حد ما، كان هذا معروفا للشعبين العراقي والأفغاني قبل حصول مجلس الشيوخ الأمريكي على تقارير خاصة وسرية تفيد ان البنتاغون قد اعتمد تعريفا هو (المعتقلون الأشباح)، للإشارة الى نمط من المعتقلين تعرفته وسائل الاعلام حديثا من خلال هذه التقارير، وهم اولئك الذين نالوا انواعا قاسية جدا من التعذيب، التي يصعب محو آثارها الجسدية والنفسية، مما اجبر البنتاغون على اخفائهم في معتقلات سرية حول العالم، لإبعادهم عن متابعة الصليب الأحمر الدولي بشكل خاص. اما منظمة الهلال الأحمر، الاسلامية، فلا خوف منها ولا هم ممن يحزنون من مراقبتها ومتابعتها (لأبنائها) حتى لو كانوا مظلومين. من جهتها ذكرت جمعية (أطباء من أجل حقوق الانسان) الأمريكية في تقرير من (121) صفحة تصدرته شهادة اللواء الأمريكي المتقاعد (انطونيو تاغوبا) ان سجناء (ابوغريب) قد تعرضوا للضرب المبرح والصعق بالتيار الكهربائي والحرمان من النوم والإذلال الجنسي وحتى الشذوذ. وقال (تاغوبا) عما جرى في (ابوغريب) تحت علم تجار الحروب المحليين الذين يحكمون العراق اليوم (لم يعد هناك من شك في ان الإدارة الحالية ارتكبت جرائم حرب. والسؤال الوحيد الآن هو هل سيصار الى محاسبة الذين اصدروا الأوامر بذلك؟!).

وفي هذا الإطار، وردت شهادة من المواطن العراقي (ليث) في تقرير جمعية الأطباء المذكورة، الذي اعتقل من اواخر (2003) الى اواسط (2004)، ذكر فيها ان حراس سجن (ابوغريب) الأمريكان قد (ارغموني على خلع ملابسي والقيام بحركات سيئة للغاية ليلتقطوا لي الصور) واضاف (سألوني اذا كنت اسمع اصوات النساء المعتقلات، وعندما اجبتهم بأني سمعتها قالوا لي: ستسمع اذاً اصوات امك وشقيقاتك عندما نغتصبهن)! ترى في اي واد من هذا منظمة الدول (الاسلامية)؟ وفي اي واد تعيش جمعية (الهلال) الأحمر؟! وفي العودة الى تساؤل اللواء الأمريكي المتقاعد (انطونيو تاغوبا)، الذي اصدر كتابا مستقلا بهذا الشأن، والذي كان اجرأ واكثر وضوحا في إنسانيته من كثير من ادعياء (الاسلام) في عالمينا، الاسلامي والعربي حكاما ومواطنين (هل سيصار الى محاسبة الذين اصدروا الأوامر بذلك؟!)، فإن الوضع الاسلامي الصحيح وبشكل مواز يفرض تساؤلا الى متى ينافق العالمان (الاسلامي والعربي) المسلمين فيتباكيان على مصائب المسلمين والعرب ولكنهما يستقبلان ذات مجرمي الحروب على بسط شرف حمراء؟! وهل يلام مسلم، اذا استجار بعد اليوم بالصليب الأحمر و(تاغوبا) وجمعية (اطباء من أجل حقوق الانسان) حتى لو كانت أمريكية وبقية الجهات غير الاسلامية وغير العربية؟! سلوا المعتقلين (الأشباح!) وغير الأشباح من ضحايا (ديمقراطية) العراق الجديد، تجدوا الإجابة الأصح.

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟ اضغط رجاء.

30.06.2008