هاليبرتون والاتفاقية الاستراتيجية في العراق!
نصر
شمالي
من الواضح اليوم أنّ الجهود الامريكية والعراقية التابعة لها, منصبّة بالدرجة الأولى على
إنجاز الاتفاقية الاستراتيجية الطويلة المدى المزمع إبرامها بين الحكومة الامريكية وبين ما يعتبرونه حكومة عراقية تمثّل الشعب العراقي
وتجسّد إرادته! وبالطبع فإنّ الامريكيين في حال تمريرهم
للاتفاقية يكونون قد نجحوا في الاتفاق مع أنفسهم, ويكون الطرف العراقي مجرّد دمية
تقتضي الشكليات القانونية الدولية وجودها وتوقيعها, أمّا الهدف فهو وضع اليدّ الامريكية على نفط العراق لعقود طوال مقبلة, وأمّا المستفيد
فهو أباطرة النفط من أمثال ديك تشيني وجورج بوش, وشركات النفط من أمثال هاليبرتون وسيفرون, علماً أنّ هؤلاء الأباطرة يضعون مصالح
شركاتهم فوق مصالح حكوماتهم وشعوبهم وأوطانهم, سواء كانوا في الحكم أم خارج الحكم,
وهم لا يتردّدون في عقد الصفقات القذرة لصالح شركاتهم وعلى حساب أوطانهم, وها هم في
العراق اليوم يحاولون تهدئة الأوضاع داخلياً وإقليمياً, غير آبهين لكرامة جيوشهم
التي مرّغت في الوحل, من أجل تمرير الاتفاقية الاستراتيجية التي تتلخص في ضمان
مصالحهم النفطية, وبالفعل سمعنا الرئيس بوش قبل أيام يتحدّث في ألمانيا عن عقد
الاتفاقية الاستراتيجية تحديداً وقريباً, مظهراً استخفافه بحكاية القواعد العسكرية
الامريكية الثابتة في العراق وبأيّة حكاية أخرى غير ضمان
وضع اليد من قبل الشركات على النفط العراقي موضوع الاتفاقية الأساسي!
لقد أصبح واضحاً اليوم أكثر من أيّ زمن مضى هذا
التناقض بين مصالح الشركات النفطية وبين مصالح شعوبها, فقد جعلته المقاومة العراقية
الباسلة بادياً للعيان وغير قابل للتمويه والإخفاء, حيث بفضل صمودها العظيم تردّت
الأوضاع الداخلية الامريكية تردّياً لا سابق له بحيث
أصبح التناقض معلناً, وها هما بوش وتشيني وعصابات هاليبرتون وسيفرون يسعون سعياً محموماً لضمان مصالحهم في
العراق, بتمرير الاتفاقية الاستراتيجية قبل انتهاء ولاية الإدارة الامريكية الحالية التي يسيطرون عليها, فالمأزق العراقي فتح
الأبواب على مصاريعها لمفاجآت مثيرة, مثل تلك التي
اطلعنا على بعض جوانبها قبل عام أو أكثر, حين ذكرت مصادر الأخبار أنّ هاليبرتون تسعى لنقل مقراتها القيادية من الولايات المتحدة إلى
دبي! وقد حدث ذلك في تلك اللحظة التي أعرب فيها 60 في المئة من الامريكيين عن رغبتهم في
سحب قوات بلادهم من العراق, وفي تولّي الكونغرس مهمّة
إدارة السياسة المتعلّقة بالحرب بدلاً من الرئيس بوش, فكان أن أدارت هاليبرتون ظهرها للشعب الأمريكي معلنة نقل مقرّاتها الإدارية
الرئيسية إلى دبي!
إنّ جورج بوش وديك تشيني وأمثالهما يرون أنّ قيادتهم لشركاتهم النفطية أهمّ من قيادتهم
لبلادهم, بل هم يظهرون استخفافهم بدولتهم وشعبهم عندما يستدعي الأمر ذلك, سواء
كانوا في الإدارة الحكومية أم لا, وهكذا فإنّ بوش وتشيني لا يتردّدان في عقد
الصفقات والاتفاقات باسم شركاتهم مع الغير, مستفيدين من اضطراب أوضاع حكومتهم وقواتها المحتلة! وبالطبع يفضّل تشيني, الشخصية الأبرز في
مجموعة هاليبرتون, لو أنّ التعاون والتناغم يستمران بين
حكومته وشركته, ويفضّل لو أنّه يبقى في منصبه الحكومي, لكنه ينحاز إلى شركته في حال
وقوع التناقض والتضارب في المصالح, سواء كان في الحكومة أم خارجها, فمنصبه في
الحكومة لا يجوز أن يكون على حساب منصبه في هاليبرتون!
لقد وقع التناقض والتضارب في المصالح بين
الشركات والبلاد عندما انهارت تقديراتهم وتوقعاتهم, وفشلت خططهم الحربية في تحقيق
استيلاء سهل على النفط العراقي, فتعاظمت خسائر الدولة الامريكية, وتعرّض المموّلون, والدولة في مقدّمتهم, لخطر ضياع
استثماراتهم, وتبيّن أنّ احتلال العراق بمعنى الكلمة, أي رضوخه والسيطرة عليه
عموماً يبدو شبه مستحيل, وهو ما لم يتحقّق فعلاً حتى اليوم! وبينما تعالت أصوات
المعارضة الديمقراطية الامريكية, تجأر بالشكوى (حسداً!)
لأنّ هاليبرتون تنهب مخصصات الحرب عن طريق إبرام عقود
مريبة بين مؤسساتها وبين وزارة الدفاع الامريكية, سارع
تشيني إلى تسريب الأخبار حول نقل مقرات الشركة الرئيسية إلى دبي, الأمر الذي عنى في
أحد وجوهه تهرّب الشركة من دفع الضرائب لحكومتها وحرمان بلادها من فرص العمل
والفوائد الكثيرة الأخرى التي يحققها تواجد الإدارة في الولايات
المتحدة!
من المعروف أن "المجموعة الامريكية للخدمات النفطية/هاليبرتون" تأسست عام ,1919 وأنّها
من أقدم وأقوى الشركات العملاقة في ولاية تكساس, وقد امتدّ نشاطها ليشمل سبعين
دولة, أما بلادنا العربية والإسلامية فتشكل مجالها الحيوي الرئيسي الخصب للحصول على
العقود الثمينة, فقد بلغت نسبة عائداتها النفطية حدود 38% في عام ,2006 أي 13 مليار
دولار, وها هي تنتظر اليوم على أحرّ من الجمر قرارات البرلمان العراقي والحكومة
العراقية, بصدد تحرير النفط العراقي من إدارته الوطنية, وإبرام اتفاقية إستراتيجية,
وعرض النفط على الشركات العالمية, وفي مقدّمتها هاليبرتون وسيفرون طبعاً (كوندوليزا
رايس من شخصيات سيفرون) كي تستثمره بحريتها الكاملة
عقوداً طويلة من السنين!
ترى إلى أيّ مدى يمكن أن تندفع هاليبرتون بعيداً عن حساب الدولة الامريكية? وهل يمكن أن يبلغ بها الأمر حدّ عقد صفقات إقليمية
لا تراعي المصالح الامريكية العليا? وإلاّ فلماذا يدور الحديث حول نقل مقرّ قيادتها التاريخي من
هيوستن إلى دبي? هل هذا ممكن
ومعقول? ونحن نحاول الإجابة ينبغي أن نعود إلى التذكير أنّ احتياط النفط العراقي
الإجمالي يتراوح ما بين 300 - 450 مليار برميل, وبسبب الأزمة المصيرية العالمية,
التي يشكّل النفط أهمّ عناصرها, فإنّ الاحتياط العراقي يفتح المجال واسعاً أمام
أغرب وأعظم المفاجآت من جميع الجهات, والتي لا تستثنى منها مفاجأة المقاومة
العراقية لشعبها وأمتها وللعالم عموماً بتحقيق النصر الحقيقي المؤزّر!0