لماذا
تغير الخطاب الأمريكي في العراق فجأة؟
بثينة
الناصري
حتى
الاَن نجح المحتلون في ترتيب الصورة في العراق إعلاميا
بالطرق التالية: 1- احتكار
إصدار البيانات الصحفية حول العمليات الكبرى التي تحدث في العراق سواء
كانت عمليات
مقاومة أو عدوان عسكري من قصف جوي أو مداهمات أو قتل في الطرقات ونقاط التفتيش
، أو العمليات المفتعلة مما يسمى (البيارق المزيفة). 2- منع الصحفيين والمراسلين
من تغطية الأحداث والتواجد في أماكن العمليات الى حد
استهداهم وقتلهم لقطع
أرجلهم. 3- تواطؤ الإعلام الرسمي الغربي والعربي بالاعتماد على التغذية الإعلامية
الصادرة عن وكالات الأنباء الأمريكية الكبرى التي تشكل كتائب الحرب الإعلامية
الموالية للغزو والاحتلال. 4- التعمية على التحقيقات الجنائية إذا كان هناك
مثل تلك التحقيقات. فلا يعرف المواطن العادي أو حتى
وكالات الأنباء إذا جرى تحقيق.
. وأين وصل. . ومن يقوم به. . وما هي الاكتشافات؟ كل ما نعرفه هو ما يصلنا من
بيانات يصدرها الجيش الأمريكي. 5- السيطرة الى حد ما على
الإنترنت والتصدي لكل ما
يخالف الاضاليل التي يطلقها المحتلون الى حد اختراق مواقع وإغلاقها وما يجري حاليا
من تعاون الحكومات العربية في تنظيم (الفضائيات) من اجل تكميم الأفواه لصالح
المحتل. 6- حملة اللعب بالكلمات فكلمات مثل (القاعدة)، (الإرهابيون)، (التكفيريون)، و(هل هذه مقاومة التي تقتل الناس ؟) أصبحت كلمات تجري
حتى على السنة
الأطفال. أصبحت كلمات متداولة داخل كل بيت تحقق ذلك بالطرق المستمر على
هذه الكلمات
من خلال إعلانات مدفوعة الثمن تعرض على شاشات الفضائيات بدون استثناء،
من خلال
مجلات الأطفال التي تعدها شركات دعائية أمريكية لحساب البنتاغون وتوزع مجانا على
أطفال العراق في المدارس وغيرها. ومن خلال شيوع هذه الكلمات في الأخبار.
7- الحملات
الوحشية التي تستهدف أحياء بكاملها: مداهمات وقصف وقتل مدنيين بالجملة
من اجل
تخويفهم وتطويعهم وإجبارهم على النفور من المقاومة والمقاومين والإبلاغ
عنهم. فإذا
قتلت عبوة ناسفة جنديا محتلا، هرع رفاقه إلى البيوت القريبة وقتلوا من
فيها انتقاما،
مما يولد لدى الناس فكرة ان البعد عن المقاومة غنيمة وان
الإبلاغ عنهم يعني
سلامتهم هم وعائلاتهم. وربما لهذا ترى كل إعلانات المحتل تنتهي بأن تحث الناس على
الإبلاغ عن الإرهابيين. 8- إحداث قناعة لدى الناس ان
المصاعب التي يعانون منها
منذ 2003 من انعدام الكهرباء والعناية الصحية والمياه النظيفة والوظائف الخ
هي بسبب
أعمال المقاومة التي تستهدف هذه المرافق أو أنها تعرقل إصلاحها لأن
الجيش الأمريكي
ينشغل بالقتال. كما كانوا يحاولون إقناع الناس بأن
العقوبات الاقتصادية الشاملة
منذ 1990 والجوع والمرض والحرمان الذي أنتجته تلك العقوبات، كان وراءها صدام
حسين فهو الذي يبني القصور بدلا من توفير الطعام والدواء للشعب. كان العملاء
الذين سموا أنفسهم (معارضة) يطرقون على هذه البروباغندا،
متجاهلين أن أموال
النفط كانت توضع في صندوق خاص تحت إشراف الولايات المتحدة وان العراق
كان يشتري
ما يحتاجه من غذاء وطعام بموافقات وتفتيش ومراقبة من مجلس الأمن.
كل
ذلك لأن البنتاغون
يدرك أن المقاومة لا يمكن القضاء عليها لأنها غير مرئية ولا تتبع
أسلوبا تقليديا
ولا ترتدي زيا خاصا تعرف به. خاصة إذا كانت مثل المقاومة
العراقية حيث لا يعرف
لها تنظيم واحد شامل وإنما هي مثل التنين في الأساطير تضرب له رأسا ينبع
بدله عشرة
رؤوس . فلا يمكن للجيش المحتل ان يقتل رأسا ويرتاح ويعلن
النصر، وهكذا فإن النصيحة
الوحيدة التي يمكن ان يتبعها اي جيش تقليدي مثل الجيش الأمريكي لمحاولة القضاء
على المقاومة هو القضاء على الحاضن لها. . اي الشعب. ومن
هنا تأتي الجرائم الوحشية
والقتل العشوائي (المتعمد) والعقاب الجماعي إلى حد الإبادة. من يضحك
على الناس
من الكتاب يقول لهم ان الجيش الأمريكي اخطأ. . لولا انه
حل الجيش العراقي ولولا
أنه أقام هيئة لاجتثاث البعث، ولولا أن الجيش المحتل وقف متفرجا عند الفرهود، ولولا
ان بريمر اصدر تلك الأوامر
القاصمة للعراق ولولا ان مجلس الحكم قام على المحاصصة،
ولولا أن الأمريكان اخطأوا بمسألة الانتخابات على أسس
دينية فجاء رجال إيران
الى الحكم، لكان كل شيء على ما يرام، ويزيدون انه لولا
المقاومة و التي تعرقل إعادة
الإعمار لاستطاعت الشركات الأمريكية ان تحول البلاد إلى جنة. كل هذا هراء، فأميركا
لم تخطئ وقد حققت معظم ما جاءت من أجله. ومن ير غير ذلك
يغمض عينيه عن الحقيقة
سواء عن جهل أو تجاهل.
حل
الجيش العراقي كان ضروريا لتشكيل جيش ضعيف مؤمن بالعقيدة
الأمريكية وليس بالعقيدة الوطنية. جيش يحمي مصالح أمريكا وليس مصالح العراق.
اجتثاث البعث كان ضروريا لأنه ضمن اجتثاث هوية العراق العربية. وفصله
عن محيطه
العربي والبعثيون شعارهم *أمة عربية واحدة ذات رسالة
خالدة*. الفرهود كان ضروريا
وإحراق مقرات الدولة كان ضروريا، من اجل تقويض تلك الدولة وتقويض هيبتها
في عين
المواطن العراقي. لأن المطلوب إقامة دولة بدلها على أسس مختلفة تماما. المحاصصة كانت
مقصودة وضرورية من اجل تفتيت العراق. وقتل الانتماء اليه
كوطن للجميع. فالمحاصصة
كانت أصل الفتنة. كانت تقويضا للمواطنة ودعما للانتماء للطائفة والعرق والدين
والعشيرة. كانت نواة التطهير العرقي الذي تبع ذلك، والتطهير العرقي
نواة التفكك
والانفصال اجتماعيا وجغرافيا وروحيا. رجال ايران في الحكم؟ هل كان مفاجأة للأميركان؟
كلا. . كانت مطلوبة ومقصودة. ألم يأت هؤلاء الى العراق
من داخل ايران؟ هل
كانت صلاتهم بإيران مخفية عن الاميركان؟ لماذا سمح في
الانتخابات ان تحمل الشعارات
واللافتات الانتخابية صور رجال الدين الايرانيين؟ (السيستاني والخميني وغيرهما)،
ولماذا سمح لرجال الدين الايرانيين ان يفتوا بأن من لا يذهب لانتخاب (المذهب)
مصيره النار؟ وهل كانت الانتخابات من اجل اعلاء شأن
(مذهب)؟ هل كان الاميركان
الذين سيطروا على الانتخابات من ألفها الى يائها، (حتى
استماراتها طبعت في
أميركا). .
غافلين
عن ذلك؟ ولكن ماذا كان المطلوب من ذلك؟ كان هذا الاجراء
يقصد به محو الهوية العربية وابعاد تأثير المحيط العربي. وربما تلاحظون انه في
هذه الفترة كان هناك دعاية قوية ضد العرب وتواجدهم في العراق من لافتات
تطالب بطردهم
الى استهداف الفلسطينيين الموجودين من عشرات السنين في
العراق الى تنصيب رئيس
(كردي) ووزير خارجية (كردي) يتحدث باسم العراق. الى
اشاعة القول ان العرب
في العراق
نسبتهم 20% من مجموع السكان، الى محو هوية العراق
(العربية) من دستورهم المزيف.
الى استهداف السفراء العرب ومنهم المصري الذي اختفى ولم
يعرف مصيره. إعادة إعمار
البلاد؟ هذا ليس في حساب أميركا فالجيش الاميركي أداة
للهدم والتخريب وليس للبناء،
ماعدا بناء قواعدهم وسفارتهم وسجونهم، الذي يجري على قدم وساق. إن
العقوبات الجماعية
(الخراب وانعدام المرافق الخ) مقصود لإخضاع الشعب العراقي تماما
ولإلهائه بالجري
وراء لقمة العيش فلا يفكر في مقارعة الاحتلال أو أي شيء اَخر، وكذلك لدى انعدام
وجود المصانع والمعامل والأعمال الوفيرة لا يجد الشباب العراقي عملا إلا
في الالتحاق
بالجيش او الشرطة او (الصحوات)، وهذا مقصود، من اجل خلق مصالح للشعب مرتبطة
بالمصالح الأمريكية وتدافع عنها، ولهذا تتحدث الحكومة العميلة عن أعداد مهولة
ربما بلغت مئات الألوف من المتطوعين في الجيش والشرطة والميليشيات التي يمولها
الاحتلال. اللعبة التي لعبتها أميركا في العراق بسيطة وساذجة ومعروفة. ولكن الكثير
خدع بها. اللعبة هي: 1- اقسم العرب والإسلام في العراق
الى سنة وشيعة، وقل ان
السنة هم العرب فقط ونسبتهم لا تتجاوز 20%. 2- ثم قرب الشيعة واضرب بهم
السنة بمختلف
الطرق (تفجير الامامين والأسواق والمناطق الشيعية) واتهم
بها القاعدة (السنية
التكفيرية الإرهابية الأجنبية التي تأتي من الدول العربية)، اشغل الناس جميعا
(حتى لا ينتبهوا إلى مقاصدك) بمسألة حرب أهلية، تهجير، تطهير عرقي، حتى اذا ازداد
نفوذ الشيعة وتمكنوا، انتقل الى المرحلة الثالثة. 3 -
اضرب الان الشيعة بالسنة،
عن طريق الصراخ بتأثير إيران وحث الدول العربية على الحضور و صنع
ميليشيات من
السنة. وقل ان ميلشيات السنة (سموها أخيرا أبناء العراق)
مخصصة لقتال القاعدة السنية
الأجنبية. ومن هنا تفهم أهمية تسميتها (أبناء العراق). العراقيون ضد الأجانب.
4-
اعلن
الان ان القاعدة تم القضاء
عليها تقريبا بسبب أبناء العراق،
وان الشعب العراقي وقف ضدها (هذه هي الدعاية الراهنة )
والخطر الوحيد