المشكلة النفسية قبل المعضلة الطائفية

كتاب :الطائفية وفقه الخلافة عند الشيعة وأهل السنة . . . محمد الألوسي

 

شيماء الصراف

 

ما كُتب ويُكتب عن الطائفية عند أهل السنّة والشيعة ليس بالقليل أبداً، وخصوصاً في هذه السنين الأخيرة ولن يتغيّر الحال مستقبلاً على الأقل في الأمد القريب. إنه من مواضيع الساعة؛ العلاقة بين أهل السنّة والشيعة. وإذْ نتفحص ما يُكتب نجد أن الكثير من الكتب أُلّفت وتؤلّف لغرض الشهرة والربح السريعين فالناس يُقبلون على قرائتها . والمؤلّف منهم يرجع في حالات كثيرة إلى دراسات سابقة كمصادر لكتابه أو لمقالاته يجد فيها بغيته بسبب أحكام مسبقة له ونظرة غير حيادية لهذا الأمر أو ذاك، فيجد في هذة الدراسات آراء جاهزة تدعم ما يريد قوله وما عليه إلاّ اقتباسها ..إن هذه الدراسات/ المصادر دبجت بأقلام أُناس مثقفين يمتلكون معرفة واسعة ولكنهم ذوو رؤية ضيقة متعصّبة منحازة، رؤية أُحاديّة الجانب، إنهم يلجأون إلى كتب التراث  فيختارون منها كل ما يخدم أهدافهم ويستخدمونه في التحليل والإستشهاد على صحة ما يتقدّمون به.هذه الكتابات تنتهي آجلاً أو  عاجلاً ولن تـُذكر إلاّ لكي يُضرب بها المثل على انتمائها النوعي وعقلية مؤلفها.

  

ما يبقى ويـُقرأ هو الكتاب الذي يتميّز مضمونه بالوسطية والإعتدال، التجرد وعدم وجود أحكام مسبقة ، البحث عن الحقيقة لأجل عرضها وتقديمها .الكتابة لغرض محدّد : فائدة الناس والمجتمع. هذا ما يتصف به كتاب " الطائفية وفقه الخلافة عند الشيعة وأهل السنةّ  لمحمد الآلوسي . الكتاب في قسمين، الأول مكرّس ـ في العموم ـ لبحث  الخلافة والإمامة عند أهل السنة والشيعة.القسم الثاني مـُكرّس لبحث الطائفية، أسبابها، تظاهراتها، خطرها، مكافحتها.... وذلك قديماً وحديثاً.

 

في الباب الأول من القسم الأول يتحدث المؤلف عن مفهوم الخلافة والإمامة عند الشيعة  وأهل السنة. فيذكر أن الشيعة يرون ان الإمام  أو الخليفة وهو الذي يلي أمر الأمـّة، إنسان معصوم يختاره الله وعلى هذا فليس من حق الأمّة اختياره أو تعيينه [ ولذا عـُرفوا بأهل النص والتعيين] . أمّا أهل السنّة فيقوم فقه الإمامة عندهم على قاعدة الشـُورى؛ فالإمام  الشرعي هو من تختاره الأمّة للقيام، بالنيابة عنها، بإقامة أحكام الإسلام (1). وبعد أن يبين معنى العصمة لدى الشيعة يستعرض الآلوسي أدلتهم وهي النصوص التي اعتمدوا عليها من القرآن والسنّة القوليّة منها والفعلية التي فسّرت  الآية أو التي انشأت حكماً : آية التطهير والعصمة، آية الولاية، آية التبليغ، آية المودّة، آية المباهلة، آية الإمامة. وكل دليل، وبعد استيفاء الكلام عنه، يورد المؤلف حجج أهل السنّة بشأنه المستقاة بدورها من الشريعة قرآناً وسنّة.

 

في الباب الثاني يستعرض المؤلف الأدلة العقلية التي اعتمدها الشيعة في عصمة المختار للإمامة، ومن ثم يورد أقوال أهل السنّة فيها . هناك رأي ورأي آخر، فلكل من الطرفين تفسيراته واجتهاداته في فهم النص / الآية،عموم اللفظ وخصوصه، حججهم فيما يتعلق بالزمان والمكان، أسباب النزول، شخصيّات الحدث، رواته.... إنه نقاش وحوار الطرفين لبعضهم، قناعات لهم استقاها المؤلف من أمهات الكتب لعلماء الشيعة واهل السنّة على حد سواء، وقدّمها للقارئ بإسلوب تقريري هادئ .لذا يقتصر استعماله على عبارات مثل: " تحفظات  أهل السنّة على رأي الشيعة في فهمهم للنص "، " أقوال علماء الشيعة"، " أقوال أهل السنّة "، "رأي الشيعة "، " رأي أهل السنّة"،" أهل السنّة وترجيحاتهم".

 

  يقول المؤلف تعليقاً على ما قدمه :" ....من ذلك العرض لم نقصد ترجيح أحد الرأيين على الآخر لأنه لا يـُرتّب أي نتيجة عملية في قضية رحل أطرافها الذين تشيّع لهم هذا الفريق أو ذاك منذ أكثر من ألف وأربع مائة عام ولم يبق أحد منهم بين ظهرانينا يمكن تسليمه الأمر أو استرداده منه في ضوء الترجيح والمحاكمة وإعادة النظر". إذاً ما نستنتجه من كلام الكاتب أن الدخول في عملية مساندة لهذا الطرف أو ذاك مضيعة وقت هائلة وأمر غير عملي . السؤال إذاً : ما هو الغرض من حديثه "... إنما كان قصدنا التأكيد على أن أيـّاً من علماء الطائفتين لم ينطلق من فراغ ولم يعبّر عن هوى وإنما عن اجتهاد له قواعده وشروطه ومتطلّباته . والإجتهاد كثيراً ما تكون نتائجه نسبية كأي جهد بشري...." إذاً غرض الكاتب التعريف بلب فكر التشيع وأهل السنة بالقلب منه ، بالجوهر وقد فعل، فالإطلاع  قد يدفع إلى مراجعة الأفكار، المعلومات، القناعات ومن ثم مراجعة النفس بشأنها

.

 إن عمل الطرفين هو " عطاءً ثرياً في الفقه السياسي ....ثروة فقهية فكرية لهذه الأمة عزّ نظيرها عند غيرها من الأمم ....لأنه يُعبّر عن الجهد الفكري الذي بذله كل منهما والعمق في التفكير والإستدلال".لكن تقييم هذا العطاء، تقديره وتثمينه مشروط  بأمر " التجرد عن الهوى والمصلحة الخاصّة، والإبتعاد عن أحكام مسبقة موروثة " وهو أمر غاية في الأهميّة ، فهو يعني في المقام الأول الحيادية واعتبار مصلحة الجماعة، فالإختلاف في الرأي الإجتهادي، يقول   المؤلف، "ينبغي احترامه حتى في حالة الإعتراض عليه وعدم قبوله ولا يجوز الطعن بمن يرجّحه ويفضّله كما لا يجوز اتهامه بسوء النيّة ". إن احترام  رأي الآخر في إطاره الشرعي والمشروع، الإلتزام بموقف الوسط يعني: الحرية، ومن ثم الإبداع في كل المجالات. إنه بناء المجتمع .

 

 رفض الآخر: الطائفية

إن التشويه الذي لحق الرأي الإجتهادي لكلا الطرفين الشيعة وأهل السنّة سببه المرويات الموضوعة التي تراكمات   بمرور الوقت ومن ثم تظاهرت "بطقوس وأشكال مخجلة". إن المحرّك للإختلاق أمور عديدة : المصالح والإمتيازات  و نوازع نفسية لا حصر لها من الرغبة في الرئاسة والسيطرة وطاعة الآخرين..... وكان تأثير هذه الإختلاقات على عوام الناس يكاد يكون مطلقاً وحاسماً ولم ينج منه حتى العقلاء منهم. لم يرجع أحد من الطرفين إلى جوهر التسنن وجوهر التشيّع والنظر إليهما سوية؛ ما هما وما المراد منهما، بل إن الذي حصل ان كل طائفة اعتمدت مصادرها" التي استقت منها المعلومة في الحدث  أو الشخص أو القضية واعتبرتها نهائية لا تقبل النقاش". إنه فقدان التوازن، الإفراط، التفريط، التطرّف وكانت النتيجة المنطقيّة والمحتومة هي وجود الطائفية ويعرّفها المؤلف بدقّة:" اعتقاد كل طائفة بأنها على الحق والصواب المطلق الذي لا يحتمل الخطأ وأن الطائفة الأخرى على الخطأ المطلق الذي لا يحتمل صواباً حتى ولو كان نسبياً، ومن ثم سعي كل من الطائفتين نحو إلغاء الطائفة الأخرى وذلك بالعمل على عزلها وتهميشها والإستئثار بالأمور واتخاذ الإنتماء الطائفي معياراً للمفاضلة والأهلية لتولّي المسؤوليات والقيادات بصرف النظر عن الكفاءة والنزاهة والأمانة والإستقامة..

 

 الفرق بين الطائفية والمذهبية

إن من المهم التمييز بين الإنتماء الطائفي والإنتماء المذهبي فالأمران مختلفان  تماماً .

المذهبية، ومن دلالة الكلمة نفسها،  تعني الإنتساب إلى مذهب فقهي من المذاهب المعروفة في مجتمعات العالم الإسلامي، والمذهب  -اي المدرسة الفقهية - يضم مجموعة اجتهادات في الأمور الحياتية قاطبة تُعرف باسم مؤسسه أو أفتى بها تلاميذه من بعده، كأبي حنيفة، مالك، جعفر الصادق، الشافعي، إبن حنبل...اجتهاداتهم هذه ترُد وتلبّي حاجات الفرد الذي لا  يملك القدرة على الإجتهاد لنفسه من النص القرآني أو السنّة النبوية .الإجتهاد/ الفتوى عملية مستمرّة  بسبب الحاجة الدائمية له فالحياة لا تتوقف والمجتمع في تغيّر مستمر .

 

هناك من الناس من يتعصب للمدرسة الفقهية/ المذهب التي ينتمي إليه، وهو أمر كان ولا يزال في بعض مجتمعات اليوم، فهم يعتبرون قواعدها وأحكامها هي الأفضل كحل لهذة المسألة أو تلك ولا تدانيها في المرتبة والمكانة ما جاءت به المذاهب الأُخرى. إن خطر هذه الحالة هو ما تؤدّي اليه من :" الجمود المفضي إلى التخلف الحتمي وتوقّف الإبداع وهو بداية النهاية لكل أُمّة لأنه أمرلا تستقيم معه حياة الناس..." مع ذلك يضيف المؤلف "... يبقى التعصب المذهبي، الذي هو دليل الجهل وعنوانه، أقل خطورة من الطائفية". فالطائفية بما تحمله " من حقد ورغبة في الإلغاء" هي الأنا المطلَقة والوجود الحاكم والمتحكّم وللآخر الإنسحاق والعدم، إنها" تـُعبّر عن حالة تخلّف حضاري واتجاه عدواني مثل حالة التمييز والإضطهاد العنصري سواء بسواء " .

تعريف وتذكير

هناك أمران يـُذكّر أو يعرّف بهما  المؤلف في كتابه ليس لأن تاريخ المجتمعات الإسلامية يقتصر عليهما فقط  فهناك الكثير مما يمكن قوله والإستشهاد به في الوقوف ضد الطائفية، ولكن لأنهما المثل الأمثل المتحضر،  الواجب نظره، تأمله بعمق، استيعابه حلولاً ونتائج ومن ثم اتّباعه.

 

من التاريخ القديم   

 

الإقتداء بسلوك آل البيت

هناك إجماع من المسلمين على حب آل البيت؛ إنهم أهل وأقرباء الرسول الكريم، هذا الذي جاء برسالة التسامح والألفة بين البشر. وإن كان هذا الأمر بديهياً لدى الشيعة فإن حبهم قد انعكس بقوة في كتابات وأقوال المؤرخين من أهل السنّة سواء في تراجم الأشخاص أو كتابة تاريخ المجتمعات من كل نواحيها على الإطلاق . أصبح هذا الحب لأهل بيت الرسول (ص) جزءاً من التربية الأولى الأساسية التي يتلقّاها الطفل المسلم فكأنه والحالة هذه،  نوع من الفطرة المتأخرة، ولكن يجب الأخذ بعين الإعتبار ان هذه العاطفة لم تكن لترسخ في الوجدان يتوارثها الأبناء عن الآباء لولا سيرتهم التي حفظها لنا التاريخ بأدق تفاصيلها؛ سيرة نظيفة تقية تنبذ  المغالاة والتطرّف وجهان للطائفية البغيضة . إن الخلافات التي صـُوّرت في أفعال وأقوال بين عائلة الرسول نفسها وبينهم وبين الصحابة الكرام كانت محض اختلاق ردئ؛ إن هي إلاّ اختلافات دُفعت بعضها إلى أقصى حد بتحريض ومؤمرات تـُسيّرها مصالح ذاتية سيئة، وحرب الجمل مثال على ذلك ..إن معاملة الإمام علي بن أبي طالب لأم المؤمنين عائشة بعد انتهاء الحرب " تدل على مستواه الخـُلقي والإنساني والإسلامي الرفيع "، لقد أرجعها إلى " المدينة" ، وهي" مـُعززة مُكرّمة في موكب لائق بصحبة مجموعة من نساء المسلمين ويرافقها أخوها محمد بن أبي بكر". يحزن الإمام علي حين يجد الصحابيّان الزبير وطلحة بين القتلى، لقد رثاهم وصلّى عليهم وعلى جميع القتلى من الفريقين من حارب معه ومن حارب ضدّه .

 

في الحياة الإجتماعية كانت تربطهم علاقات أُلفة وود؛ لعل أبرز تظاهراتها هي المصاهرة؛ فقد تزوج الخليفة الرشدي عمر بن الخطاب من أم كلثوم إبنة الإمام علي بن أبي طالب . وكان للإمام علي نفسه عدّة أولاد من اللواتي تزوجهن بعد وفاة فاطمة (رض)؛ فمن ليلى التميميّة كان له عبيد الله وأبو بكر وكلاهما استشهدا مع أخيهما الحسين في واقعة الطف . ومن الصهباء التغلبية وُلد له إبناً سمّاه عمر (2).وأمر التسمية بالذات اعتبره العلماء المؤرخون دلالة على المودّة والإحترام الذي يحمله الإمام علي للصحابيان أبو بكر وعمر .