قوات المالكي تعتقل وتصادر اسلحة في العمارة بعد مغادرة قادة المليشيات للمدينة

 

إيران.. والبحث عن موقع في النظام الأمني الإقليمي

 

د. محمد عاكف جمال 

 

الوجود الأميركي في العراق أمر يقلق أمن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أشد القلق حتى لو تضمنت المعاهدة الأمنية العراقية ـ الأميركية التي يجري وضع صيغتها حالياً نصاً بعدم استخدام هذا الوجود للقيام بما يضر دول الجوار ويهدد أمنها. لذلك حرصت إيران، على لسان المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، على تحميل رئيس الوزراء العراقي في زيارته الأخيرة إلى طهران رسالة تحذيرية مفادها بأن على العراق ألا يوقع هذه المعاهدة ما لم يكن لإيران دور في النظام الأمني الإقليمي. وقد أقحمت إيران نفسها في مسار المفاوضات الجارية بين العراق والولايات المتحدة حين وقع وزير دفاعها مع وزير الدفاع العراقي معاهدة دفاعية كورقة ضغط قابلة للتصعيد على المستوى الرسمي والمستوى الجماهيري.

 

لا شك أن طموحات إيران السياسية أكبر كثيراً من مجرد أن تصبح طرفاً في نظام أمني إقليمي ترعاه الولايات المتحدة فهي تعمل بنشاط منذ سنوات عديدة لأن تمتلك القدرات التي تؤهلها لذلك. وقد ساعدت أسعار النفط الفلكية على تطوير برامجها في التسلح وعلى تلبية متطلبات الإسراع في البرنامج النووي. إلا أن طموحات كبيرة كهذه من الصعب أن تجد مساراً سالكاً لها في أطر العلاقات الدولية والهيمنة الأميركية، فقد كان لدى الشاه المعزول والرئيس العراقي المهزوم طموحات مماثلة ساهمت الولايات المتحدة بسحقها، بشكل مباشر أو غير مباشر، لأنها تصطدم بأحد أبرز ركائز إستراتيجيتها في المنطقة وهي عدم السماح ببروز قوة إقليمية تشاركها في النفوذ في هذه المنطقة الغزيرة الثراء بمصادر الطاقة.

 

مبدأ مقايضة المنافع يوضع من جديد على طاولة الحوارات، وجهاً لوجه أو عبر الوسطاء، على الرغم من الضجيج الذي تثيره العبارات الرنانة التي اعتاد المسؤولون من الطرفين ترديدها في خطبهم وتصريحاتهم. إلا إن من الصعب على من يتابع أحداث الشرق الأوسط أن يرى كيف لإيران أن تكون شريكاً أمنياً في المنطقة وتنقلب من عدو للولايات المتحدة إلى شريك لها. إنها معادلة يصعب فهمها وأمامنا أبرز ثلاثة محاور في السياسات الإيرانية تصطدم بعنف مع الإرادة الأميركية:

 

1. التلويح بالقضاء على إسرائيل.

2. الإصرار على المضي قدماً في برنامجها النووي.

3. دعم وتمويل الحركات الدينية المتطرفة التي تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية.

 

الولايات المتحدة لا تعرف الشراكة مع أحد، فعلاقاتها التاريخية مع أوروبا قد تحولت من الشراكة إلى التبعية بعد الحرب العالمية الثانية عبر قيادتها لحلف الأطلسي. وشراكتها مع اليابان هي الأخرى قد أقيمت على أسس تبعية مشابهة منذ وضعتها تحت حمايتها في نهاية الحرب المذكورة. كما أن الولايات المتحدة لم تبدأ بالحديث عن الشراكة مع روسيا إلا حين تغير النظام السياسي فيها بشكل أصبح لا يتعارض في فلسفته وعقيدته مع الأسس التي نشأت عليها الأنظمة الغربية وهو النظام الرأسمالي. ورغم ذلك نرى أن حلف الأطلسي يزحف باستمرار نحو الشرق لإحكام الطوق حول روسيا، وتخطط الولايات المتحدة لإنشاء الدرع الصاروخية على حدودها مباشرة. وبدأت في تسليط الضغوطات على أوكرانيا من أجل إخراج الأسطول الروسي من ميناء سيفاستوبل على البحر الأسود ضمن خطة لتحويل البحار شبه المغلقة وذات الأهمية الإستراتيجية، ومن ضمنها الخليج العربي، إلى بحيرات تابعة لحلف الأطلسي أو بالأحرى للولايات المتحدة.

 

سياسة الولايات المتحدة إزاء إيران حتى الآن هي سياسة العصا والجزرة، استخدام الأساليب القسرية التي تتضمن العزل والتطويق وبناء تحالف دولي يشدد من العقوبات المفروضة عليها والتهديد باستخدام القوة العسكرية من جهة، والتلويح بحزمة من المحفزات لإغرائها بالتوقف عن تخصيب اليورانيوم من جهة أخرى. العصا تزداد غلظة فالولايات المتحدة إذ لم تعد قادرة على رفع سقف العقوبات ضد إيران في مجلس الأمن الدولي بسبب المعارضة الشديدة من روسيا والصين تعمد إلى طريق آخر وهو الاتفاق مع الإتحاد الأوروبي على ذلك وهذا ما هدد به الرئيس الأميركي في زيارته لدول أوروبا مؤخراً.

 

وحزمة الحوافز تتضخم كذلك وهذا ما لوحظ في ما قدمته الدول الست المعنية بممارسة الضغوط على إيران وهي الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية المكونة من بريطانيا وفرنسا وألمانيا إضافة إلى روسيا والصين والتي حملها إلى طهران منسق السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خافير سولانا. ولكن سياسة العصا والجزرة لا يمكن أن تستمر طويلاً، فطالما هي لم تنجح بتخويف طهران وإغرائها بقبول حزمة المحفزات والتنازل عن برنامجها النووي فهي ستفضي دون شك إلى ما تخشى الولايات المتحدة وحلفاءها حدوثه وهو حصول إيران على قدرات صناعة السلاح النووي أو صناعته فعلاً. وهذا ما يتنبأ به بعض كبار الإستراتيجيين الأميركيين ومنهم بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي أبان فترة رئاسة جيمي كارتر، في مقالته المنشورة في صحيفة لوس أنجلس تايمز في الثامن والعشرين من مايو المنصرم.

 

الولايات المتحدة سوف تبقى لأمد طويل في العراق سواء وصل إلى البيت الأبيض جون مكين أو باراك أوباما، فالعراق يقع في قلب الشرق الأوسط وتحت ترابه يقبع أضخم المكامن النفطية في العالم وهو ما أتى بالقوات الأميركية إليه لتشدد من قبضتها على هذه المنطقة حيث مكامن النفط والغاز التي تعتمد اقتصاديات الغرب عليه لعدة عقود من سنين قادمة. لذلك فمن المستبعد جداً أن تعمد الولايات المتحدة إلى التفريط ببعض نفوذها في هذه المنطقة لبعض حلفاءها ناهيك عن التفريط بها لصالح دولة تعتبرها عدوة. بعض الأصوات في العراق بدأت ترتفع معترضة على بعض بنود المعاهدة الأمنية مع الولايات المتحدة، أما الموقف الأميركي من ذلك فيتميز بقدر من المرونة.

 

حيث قُدمت حتى الآن أربع مسودات لبنود المعاهدة بعد أن تحفظ على بعض بنودها الوفد المفاوض العراقي، مما يشير إلى أن الولايات المتحدة تعمل جاهدة على أن تلقى صيغة المعاهدة أقل قدر من المعارضة بغية قطع الطريق على من يريد استخدامها كوسيلة لوضع العقبات أمام وجودها في العراق.

 

 

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟ . . . اضغط رجاء

20.06.2008